قضايا

قضية عميد الشرطة والطالبة في فاس: الحكم بسنتين سجناً نافذاً بتهم الاغتصاب والإجهاض والاتجار بالبشر

اهتزت أروقة محكمة الاستئناف بفاس على وقع حكم ابتدائي مدوٍ، ليضع نقطة في نهاية فصل من فصول الفساد الأخلاقي واستغلال النفوذ داخل المؤسسة الأمنية. فقد أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية حكماً يقضي بإدانة عميد شرطة بالسجن النافذ لمدة عامين، وذلك بعد متابعته بتهم تتجاوز بكثير “العلاقة غير الشرعية” لتصل إلى مستوى “الاغتصاب” بعد إعادة تكييف التهم، و**”ممارسة الإجهاض”، و”الاتجار بالبشر”**. هذا الحكم، رغم أهميته في إدانة مسؤول عمومي رفيع، خلف موجة من التساؤلات والجدل حول مدى تناسب مدة السجن مع فداحة الجرائم المرتكبة.

إن إعادة تكييف التهم لتشمل الاغتصاب والاتجار بالبشر ضد عميد شرطة يمثل صدمة قوية لمنظومة الأمن والمجتمع على حد سواء. فالانتقال من مجرد “علاقة غير شرعية” إلى “الاغتصاب” يؤكد أن العلاقة بين الضابط والطالبة المشتكية لم تكن قائمة على الرضا بقدر ما كانت قائمة على استغلال سلطة وظيفية وابتزاز نفوذ. والأخطر في التكييف هو تهمة “الاتجار بالبشر”، التي تعكس استغلال العميد لـ “هشاشة” وضع الطالبة وجسدها.

لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه الرأي العام: هل تُعتبر عقوبة السنتين النافذتين متناسبة مع هذا الثقل الجنائي؟ إن الحكم، الذي يضع عميد الشرطة على قدم المساواة مع مجرمي العنف، لا يبدو أنه يرقى إلى مستوى الردع المطلوب عند التعامل مع مسؤول استغل رتبته الأمنية الرفيعة لارتكاب ثلاثية الجرائم الأخلاقية والجنائية هذه، بما في ذلك محاولة وأد حياة جنين عبر الإجهاض.

في الوقت الذي قضت فيه هيئة الحكم ببراءة الممرضة المتابعة في الملف، معتبرة أن العناصر المتوفرة غير كافية للإدانة، وهو ما يضع تفاصيل عملية الإجهاض المشبوهة في منطقة رمادية، أصدرت المحكمة حكماً في الشق المدني يقضي بـتعويض مالي قدره 40 ألف درهم (حوالي 4000 دولار أمريكي) لفائدة الطالبة المشتكية.

هذا التعويض المالي، الذي يشكل جزءاً من المطالب المدنية للضحية، أثار موجة من الانتقادات. فكيف يمكن لتعويض بهذا القدر أن يجبر الكسر النفسي والجسدي والاجتماعي الذي تعرضت له طالبة جامعية تعرضت للاغتصاب والإجهاض، وتم الزج بها في قضية “الاتجار بالبشر” من قبل من كان يفترض فيه حمايتها؟ إن الرقم يُنظر إليه على أنه قليل جداً مقارنة بحجم الأضرار التي لحقت بمستقبل وسمعة الضحية، ويوحي بأن قيمة “الضرر البشري” ما زالت تقيّم بثمن بخس في قاعات المحاكم.

لقد خلف هذا الحكم القضائي ردود فعل واسعة، تباينت بين من رآه “متوازناً” كونه أدان مسؤولاً أمنياً رفيعاً، وبين من اعتبره “غير متناسب” مع فداحة التهم الموجهة إليه.

الكلمة الأخيرة لم تُقل بعد؛ فرئيس الجلسة أكد أن للمتهم الحق الكامل في استئناف الحكم داخل أجل عشرة أيام. هذا يعني أن المرحلة الاستئنافية ستكون حاسمة لتأكيد أو تشديد العقوبة. إن القضية اليوم ليست مجرد محاكمة فرد؛ بل هي اختبار حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولمدى قدرة القضاء على فرض عقوبات رادعة بحق من يتاجرون بمواقعهم الوظيفية، ويحولون الأمن إلى مصدر تهديد وإجرام. يجب أن تكون نهاية هذا الملف رسالة واضحة: لا حصانة فوق القانون، ولا تسامح مع من يبيعون شرف الرتبة مقابل شهوة أو نفوذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى