صحة

قانون مالية 2026… إصلاح أم التفاف؟ جدل الأدوية يكشف هشاشة السياسة الصحية وثغرات تسعير الدواء في المغرب

في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعار “التوازن بين العدالة الاجتماعية ودعم الإنتاج الوطني”، يطفو على السطح من جديد الجدل القديم المتجدد حول أسعار الأدوية والسياسة الجمركية، بعدما قدم سمير أحيد، مدير الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الطبية، عرضاً أمام لجنة المالية بمجلس النواب، الجمعة الماضي، حول المقتضيات الجديدة التي يتضمنها مشروع قانون مالية 2026 في ما يخص الفصل 30 من مدونة التعريفة الجمركية.

المدير أكد أن الهدف هو “ضمان ولوج عادل إلى الأدوية وتعزيز الإنتاج المحلي”، لكن القراءة المتأنية لما يتضمنه المشروع تُظهر أن الحكومة ما زالت تشتغل بالمنطق الحسابي أكثر من المنطق الصحي، إذ ترفع الرسوم هنا وتخفضها هناك، دون أن يلمس المواطن أي أثر فعلي على أسعار الدواء التي ظلت الأعلى في المنطقة المغاربية.

 إصلاحات على الورق… وواقع لا يتغير

مشروع قانون المالية يقترح رفع الرسوم الجمركية على الأدوية المصنّعة محلياً من 2,5% إلى 10%، ومن 10% إلى 17,5%، ومن 17,5% إلى 30%، في مقابل تخفيض الرسوم على الأدوية المستوردة التي لا تتوفر على نظائر محلية إلى 2,5%.
الظاهر أن الغاية هي حماية الصناعة الوطنية، لكن في الجوهر، يُطرح السؤال:
كيف يمكن حماية الصناعة المحلية بزيادة الرسوم عليها؟
وهل هذا الرفع سيُترجم إلى دعم فعلي للمصانع أم إلى مزيد من الأعباء التي تُنقل لاحقاً إلى جيوب المواطنين؟

تجارب السنوات السابقة تُثبت أن كل تعديل في الرسوم أو الضرائب لم ينعكس بتاتاً على الأسعار النهائية. فحسب أمين بوزوبع، الكاتب العام لكونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، فإن “تخفيض الرسوم الجمركية في قانون مالية 2025 لم يُحدث أي تغيير ملموس على أسعار الأدوية”، لأن المقاربة الحكومية اقتصرت على تعويض الشركات عن حذف ضريبة القيمة المضافة دون إلزامها بتخفيض الأثمنة.

 سوق الدواء بين منطق المال ومنطق الصحة

في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون السياسة الدوائية جزءاً من السياسة الصحية الوطنية، تتحول النقاشات التقنية إلى توازنات مالية بين الصناعة والميزانية.
الحكومة تتحدث عن انسجام جمركي و“تحفيز للاستثمار”، لكن المواطن البسيط لا يعنيه إلا شيء واحد:
كم سيكلفني الدواء؟

فوفق المعطيات التي قدمها فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فإن قيمة واردات الأدوية بلغت 10,5 مليار درهم خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، مقابل 8,6 مليار درهم سنة 2022، أي بزيادة تفوق 20%. هذا الارتفاع لا يعكس بالضرورة تحسناً في العرض أو انخفاضاً في الأسعار، بل اتساع الفاتورة الصحية التي تتحملها الأسر في غياب تغطية دوائية شاملة.

 غياب رؤية مندمجة

في ظل كل هذه الأرقام، يظهر أن المنظومة الدوائية المغربية تفتقد إلى رؤية متكاملة تربط بين:

  • القطاع الصناعي (الإنتاج والتصنيع المحلي)،

  • القطاع الصحي (الولوج العادل للعلاج)،

  • والقطاع المالي (التوازنات الميزانياتية).

فالقانون الجديد يبدو وكأنه ترقيع لمخلفات 2023 و2025 أكثر من كونه إصلاحاً هيكلياً. إذ سبق لإعادة هيكلة الفصل 30 في سنة 2023 أن أفرزت فوضى في الرسوم الجمركية وأثقلت كاهل الصيادلة والموزعين، دون أن يلمس المواطن أي انخفاض في الأسعار.

 إصلاحات بدون أثر اجتماعي

المفارقة الصارخة تكمن في أن القرارات المالية المتعلقة بالدواء تُتخذ بمعزل عن المقاربة الاجتماعية. فبينما تتحدث الحكومة عن “تحقيق العدالة في الوصول إلى الدواء”، ما زالت الأسر المغربية تنفق من جيوبها أكثر من 50% من كلفة العلاج، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعايير الدولية.

أما الصيادلة، الذين يُفترض أن يكونوا حلقة أساسية في المنظومة الصحية، فيجدون أنفسهم أمام معادلة مستحيلة: ارتفاع الأسعار من الموردين مقابل ركود الطلب وضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

 دواء السياسة يُباع بثمن الدواء

ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره إصلاحاً بقدر ما هو تدبير مالي تقني لقطاع صحي مريض. فبدل الانكباب على إصلاح منظومة التسعير وتحرير الأدوية من الاحتكار، تكتفي الحكومة بتعديلات جمركية لا تمس جوهر الإشكال:
ثمن الدواء ما زال مرتفعاً، والولوج إليه ما زال امتيازاً لا حقاً.

إن المغرب، وهو يبني مشروع “الدولة الاجتماعية”، لا يمكنه أن ينجح في ذلك ما لم يجعل الصحة، والدواء تحديداً، أولوية فوق الحسابات الجمركية والميزانياتية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى