اقتصاد

قانون التقاعد يعبر الحكومات… وبنك المغرب يدق ناقوس الخطر: الإصلاح أو الانهيار!

في لحظة دقيقة من عمر الدولة الاجتماعية، وجه بنك المغرب صفارة إنذار قوية بشأن المصير المقلق لأنظمة التقاعد في المغرب، مؤكدًا في تقريره السنوي لعام 2024 أن استمرار سياسة “تأجيل الإصلاح” لم يعد خيارًا قابلاً للقبول، وأن الثمن الذي سيدفعه المغرب جراء هذا التأخير سيكون باهظًا مالياً واجتماعيًا، وربما سياسيًا أيضاً.

ما خلُص إليه التقرير لا يترك مجالاً للشك: أنظمة التقاعد في المغرب باتت غير قادرة على مجاراة التحولات الديموغرافية والمالية، وأن بنيتها الحالية لم تعد صالحة للاستمرار، خصوصًا مع تزايد عدد المتقاعدين وتقلص قاعدة النشيطين المساهمين.

فالنظام الذي صُمم لعصر ديموغرافي مختلف، أصبح اليوم يعاني من “شيخوخة مبكرة”، ويواجه خطر الانهيار، إذا لم تتخذ قرارات سياسية جريئة في أقرب الآجال. ذلك أن نسبة المواطنين الذين تجاوزوا سن الستين ارتفعت من 8% إلى ما يفوق 13.8%، ما يفاقم الفجوة بين حجم المساهمات الضرورية وحجم المعاشات المستحقة.

المفارقة الصادمة هي أن هذا الورش البنيوي ظل ينتقل من حكومة إلى أخرى منذ سنوات، دون أن تجد أي تشكيلة حكومية الجرأة الكافية لتفعيله أو إخراجه من دائرة المزايدات السياسوية. وهكذا، أصبح قانون التقاعد عابرًا للحكومات، أشبه بملف “شائك” يتم التبرؤ منه، بدل معالجته بمسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة.

لكن اليوم، وفق ما جاء في تقرير بنك المغرب، لم يعد هذا الملف يحتمل المماطلة. فقد دخلت الصناديق مرحلة الخطر الحقيقي، ولم يعد الحديث عن إصلاح التقاعد ترفًا سياسيًا أو بندًا مؤجلاً، بل أصبح ضرورة وطنية ملحّة للحفاظ على الأمن الاجتماعي للملايين من المغاربة، خاصة كبار السن الذين يُعدّون من أكثر الفئات هشاشة.

التقرير كشف عن ملامح خطة إصلاحية طموحة منبثقة عن اتفاق الحوار الاجتماعي لأبريل 2024، تقوم على إرساء نظام تقاعد ثنائي القطب: واحد للقطاع العام، وآخر للقطاع الخاص، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة للمنخرطين الحاليين، وتدبير انتقال تدريجي سلس.

إلا أن الخطة رغم طموحها ما تزال في طور التنظير، ولم تتحول بعد إلى مسار تنفيذي ملزم، بسبب غياب الإرادة السياسية الموحدة، ومحدودية النقاش العمومي حولها، وافتقار الحوار الاجتماعي للعمق اللازم لإرساء توافق حقيقي على الإصلاح.

بنك المغرب حذّر بوضوح: تأجيل الإصلاح سيؤدي إلى انفجار العجز المالي، وسيستنزف الميزانية العمومية، بل وسيؤثر بشكل مباشر على الأمن المعيشي للمتقاعدين الحاليين والمستقبليين. كما أن تأخر التدخل سيجعل الإجراءات الضرورية أكثر قساوة وكلفة، ما يُفقد الدولة مرونة المناورة، ويُفاقم الاحتقان الاجتماعي.

ورغم ما تم تسجيله من زيادات في الأجور خلال 2024، والتي كان بالإمكان استثمارها لتمويل جزء من الإصلاح، إلا أن غياب التفاهم الثلاثي بين الحكومة والنقابات والقطاع الخاص جعل الفرصة تمر دون أثر يُذكر، ما يُعيد الملف إلى نقطة الصفر من جديد.

في ختام تقريره، دعا بنك المغرب إلى تعبئة وطنية شاملة تضم كل الفاعلين: حكومة، نقابات، مؤسسات تمويل، وخبراء، من أجل التوافق حول خطة واضحة ومُحددة زمنياً لإصلاح أنظمة التقاعد. فالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي أصبح مرهوناً بمدى الجرأة والسرعة في اتخاذ القرار، بعيدًا عن منطق “الهروب إلى الأمام” الذي حكم هذا الملف لسنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى