في ليلة “إيض يناير”.. أخنوش ينزل إلى الشارع ويكسر البروتوكول بعد قراره الجريء داخل الأحرار

في مشهد لافت ومحمّل بالدلالات السياسية والرمزية، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن يحتفل برأس السنة الأمازيغية “إيض يناير” وسط ساكنة مدينة أكادير، في أجواء شعبية بعيدة عن الرسميات، كاسراً بذلك تقاليد البروتوكول التي عادة ما ترافق المسؤولين من هذا المستوى. ظهور أخنوش بهذه البساطة لم يكن معزولاً عن السياق السياسي الراهن، بل جاء بعد أيام قليلة من قراره الجريء بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، في خطوة اعتبرها متتبعون رسالة سياسية قوية بخصوص التداول والمسؤولية وربط القيادة بالمؤسسات لا بالأشخاص.
إيض يناير.. احتفال بالهوية المغربية الجامعة
رأس السنة الأمازيغية، التي يحتفل بها المغاربة في 14 يناير من كل سنة، ليست مجرد طقس احتفالي، بل مناسبة تاريخية ضاربة في عمق الذاكرة الجماعية للمغاربة. فهي تعكس ارتباط الإنسان بالأرض والفلاحة، وبداية سنة جديدة في التقويم الأمازيغي الذي يعود لآلاف السنين، ويحمل قيماً رمزية مرتبطة بالخير والتجدد والأمل.
وقد شكّل القرار الملكي السامي القاضي بجعل رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية مؤدى عنها، منعطفاً تاريخياً في مسار الاعتراف المؤسسي بالأمازيغية، إلى جانب ترسيمها لغة رسمية للدولة المغربية، وفق ما ينص عليه دستور المملكة. هذا القرار لم يكن فقط استجابة لمطلب ثقافي، بل ترجمة فعلية لرؤية ملكية تعتبر التنوع اللغوي والثقافي رافعة للوحدة الوطنية لا نقيضاً لها.
حكومة أخنوش وتنزيل الاختيارات الكبرى
في عهد حكومة عزيز أخنوش، انتقلت الأمازيغية من مستوى الشعارات إلى مستوى التنزيل العملي، حيث ساهمت الحكومة في إخراج المراسيم التنظيمية المرتبطة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، سواء من خلال اعتماد رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية، أو عبر مواصلة إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والخدمات العمومية.
وخلال احتفاله بـ”إيض يناير” في أكادير، حرص أخنوش على التأكيد، من خلال حضوره الميداني وسلوكه العفوي، أن هذا الاحتفال يهم جميع المغاربة، باعتباره جزءاً من الهوية الوطنية المشتركة، وليس حكراً على فئة أو منطقة دون أخرى. وهو ما لاقى تفاعلاً إيجابياً من طرف الساكنة، التي رأت في هذا الحضور رسالة قرب واحترام للثقافة المحلية.
بين القرار السياسي والصورة الرمزية
ربط ظهور أخنوش البسيط وسط المواطنين بقراره عدم الترشح لولاية ثالثة داخل حزب الأحرار، يفتح قراءة أعمق للمشهد. فالرجل الذي قاد الحزب والحكومة في مرحلة دقيقة، يبعث بإشارات واضحة مفادها أن العمل السياسي يجب أن يظل مرتبطاً بخدمة الصالح العام، لا بتكريس الزعامات أو التشبث بالمناصب. كما أن نزوله إلى الشارع والاحتفال مع المواطنين في مناسبة ذات حمولة هوياتية قوية، يعكس رغبة في إعادة السياسة إلى بعدها الإنساني والرمزي.
في ليلة “إيض يناير”، لم يكن المشهد مجرد احتفال بالسنة الأمازيغية، بل لوحة سياسية وثقافية متكاملة، تختصر مسار اعتراف، وقرار دولة، ورسائل قيادة، في لحظة واحدة. لحظة تؤكد أن المغرب، بقيادة ملكه، ماضٍ في تثبيت هويته المتعددة، وأن السياسة حين تقترب من الناس، تكتسب معناها الحقيقي.






