فيضانات عارمة تجتاح وديان إقليم تاونات… واد ورغة ينتفض ويغرق معدات قنطرة عين عائشة

تاونات – تغطية خاصة
يعيش إقليم تاونات، منذ أسابيع، على وقع فيضانات غير مسبوقة اجتاحت عدداً من الوديان والمسالك الطرقية، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة البنية التحتية، وعزلة المجال القروي، وضعف جاهزية التدخل أمام التقلبات المناخية الحادة.
وسجّل واد ورغة، أحد أكبر الأودية بالمنطقة، ارتفاعاً مهولاً في منسوب مياهه، ما أدى إلى غمر وإغراق معدات وآليات ورش بناء قنطرة عين عائشة، المنجزة في إطار مشروع تثنية الطريق الوطنية رقم 8 الرابطة بين فاس وتاونات. حادث يعكس قوة السيول، لكنه يطرح أيضاً أسئلة حول شروط السلامة والاستباق في الأوراش الكبرى المنجزة بمحاذاة الأودية.
طرق مقطوعة وتنبيهات شعبية لإنقاذ العابرين
وبموازاة ذلك، عرفت عدة محاور طرقية انقطاعات جزئية وكاملة، خاصة على مستوى الطريق الرابطة بين غفساي ورتزاغ، حيث تسبب انهيار صخري جبلي مفاجئ في قطع الطريق، ما دفع ساكنة المنطقة إلى إطلاق تنبيهات عفوية وتحذيرات مباشرة لمستعملي الطريق، في غياب فوري للتشوير الوقائي.
وتؤكد شهادات محلية أن تدخل الساكنة ساهم في تفادي حوادث خطيرة، خاصة في ظل استمرار التساقطات المطرية، وضعف الرؤية، وصعوبة الولوج إلى عدد من المسالك الجبلية التي تحولت إلى ممرات وعرة ومهددة في أي لحظة بالانهيار.
منسوب الوديان يرتفع… والسدود تطرق أبواب الامتلاء القياسي
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن حقينة الوديان بإقليم تاونات بلغت مستويات مقلقة، في وقت واصلت فيه السدود التابعة لحوض سبو الامتلاء بوتيرة متسارعة، محققة أرقاماً قياسية مقارنة بالسنوات الماضية، نتيجة توالي التساقطات الغزيرة والمركزة.
وفي هذا السياق، أصدرت السلطات المختصة ووكالة الحوض المائي لسبو تنبيهات رسمية بخصوص احتمال اللجوء إلى تخفيف حمولة بعض السدود، في حال استمرار الضغط المائي، وهو إجراء تقني ضروري، لكنه يفرض تحذيراً مباشراً للساكنة المجاورة لمجاري الأودية والسدود، تفادياً لأي مخاطر محتملة.
خسائر محتملة وعزلة قروية خانقة
ورغم غياب حصيلة رسمية نهائية، فإن المعطيات الأولية ترجّح خسائر مادية فادحة، طالت معدات، مسالك، منشآت قيد الإنجاز، وأراضي فلاحية، إضافة إلى تعميق عزلة عدد من الدواوير التي بات الوصول إليها صعباً أو شبه مستحيل.
الأكثر إثارة للقلق هو عملية نقل المرضى و النساء الحواملل،و الانقطاع الدراسي الذي مسّ تلاميذ بعدد من الدواوير الجبلية، حيث تجاوز في بعض المناطق شهرين كاملين، بسبب انقطاع الطرق، وبعد المؤسسات التعليمية، وغياب حلول بديلة تضمن الحق في التعليم، ما ينذر بتداعيات اجتماعية وتربوية عميقة.
لجنة يقظة… بقدرات محدودة أمام مجال شاسع
ورغم تفعيل لجنة اليقظة الإقليمية، فإن متابعين للشأن المحلي يرون أن تدخلاتها تبقى محدودة للغاية، بالنظر إلى شساعة الإقليم، الذي يضم 49 جماعة ترابية، أغلبها قروية وجبلية، وتفتقر لبنيات طرقية مقاومة للتغيرات المناخية.
فالمعضلة، بحسب فاعلين محليين، لا تكمن فقط في غزارة التساقطات، بل في تراكم سنوات من التأخر في تأهيل المسالك، وتقوية القناطر، وحماية جنبات الطرق من الانهيارات الصخرية، إلى جانب ضعف الاستثمارات العمومية الموجهة للوقاية بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الكارثة.
بين الطوارئ والاختيارات الاستراتيجية
ما يعيشه إقليم تاونات اليوم ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة أزمات موسمية تتكرر مع كل شتاء قاسٍ، لتكشف مرة أخرى أن المجال القروي لا يزال الحلقة الأضعف في معادلة التنمية، وأن منطق التدبير الاستعجالي لا يمكنه وحده مواجهة تحولات مناخية أصبحت أكثر عنفاً وانتظاماً.
وفي انتظار تقييم شامل للخسائر، وإجراءات ملموسة لفك العزلة وضمان سلامة الساكنة، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح:
هل ستُستثمر هذه الفيضانات كدرس لإعادة النظر في سياسات التهيئة والوقاية؟
أم ستُضاف إلى أرشيف الأزمات المنسية، إلى أن يأتي الشتاء القادم بأسئلة أشد قسوة؟






