فاس 24 تكشف.. حدائق المدينة تتحول إلى أراضٍ محترقة والمجلس الجماعي يتخلى.. وصهاريج الولاية تخرج عن صمت الإهمال

لم يكن من قبيل الصدفة أن تواصل جريدة فاس 24 منذ فترة طويلة سلسلة تقاريرها التي كشفت بالوثائق والصور واقع الفضاءات الخضراء المتدهورة في مدينة فاس العريقة، والتي كانت يوماً ما من أجمل حدائق المغرب، ترسم مشهداً خلاباً يسر الناظرين. ولكن مع مرور الوقت، وتحت ضغط الإهمال والتخلي عن المسؤولية، تحولت هذه الحدائق والفضاءات إلى مساحات محروقة يابس عشبها، تصفر ألوان أزهارها، ويكتسي بعضها بالنفايات، لتصبح أشبه بصحارى جرداء غير صالحة للاستعمال.
الأمر لم يقتصر على فضاءات بعيدة أو مهجورة، بل شمل عدداً من الشوارع الرئيسية والعارضة في وسط المدينة، حيث تحولت حدائق وسط الشوارع مثل شارع الحسن الثاني، وشارع علال بنعبدالله، وشارع محمد الفاسي إلى فضاءات صفراء جفت فيها الحياة، واصطبغت بالألوان الباهتة التي لا تنبئ إلا باليأس من استعادة رونق المدينة.
هذا التدهور البيئي الذي كشفت عنه “فاس 24” وسبق أن عرضته في عدة تقارير وصور توثيقية، أثار حفيظة السكان الذين عبروا عن استيائهم العميق من الإهمال المتواصل، خاصة مع وصول درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، وافتقارهم إلى متنفس طبيعي وسط المدينة.
في مشهد لافت أمس، شوهدت صهاريج مائية تابعة لولاية جهة فاس مكناس تدخل لسقي ما تبقى من العشب المحترق، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الفضاءات الخضراء. هذا التدخل العاجل، وإن كان مرحباً به، لكنه جاء متأخراً، وكشف هشاشة التدبير المحلي وغياب الاستمرارية في العمل.
وتوضح هذه الخطوة أن مسؤولية الوضع الحالي ليست فقط تدهوراً مناخياً أو طبيعياً، بل مرتبطة أساساً بنقص العناية والمراقبة من قبل المجلس الجماعي لفاس، الذي يرى كثيرون أنه لم يقدم ما هو منتظر منه في مجال الحفاظ على المساحات الخضراء او في كل المجالات و المرافق العمومية التي تدهورت مع صعود العمدة البقالي،و الذي يبدو أنه يدبر سنوات عجاف.
في قلب هذه الأزمة البيئية، قرار جماعة فاس بقيادة المجلس الحالي بتفويت تدبير الحدائق للقطاع الخاص أثار جدلاً واسعاً. فقد تم إسناد تدبير المساحات الخضراء لشركة خاصة، لكن هذه الشركة فشلت في الوفاء بالتزاماتها، وتخلت عن الفضاءات الخضراء في المدينة بسبب خلافات حول الأداء المالي مع المجلس، وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع.
هذه الخطوة تكشف ضعف التنسيق والتخطيط بين المجلس والشركة، رغم الميزانية السنويةالمخصصة للقطاع، والتي تصل إلى حوالي مليار سنتيم موجهة فقط للحدائق. ميزانية ضخمة نسبياً مقارنة بواقع الحال الذي يعيشه قطاع الفضاءات الخضراء في فاس.
ميزانية تقدر بحوالي مليار سنتيم سنويا تخصصها جماعة فاس سنوياً للحدائق، من المفترض أن تكون كافية لصيانة وحماية المساحات الخضراء، وتوظيف عمال مختصين، وتنفيذ برامج مستدامة للمراقبة والري، إلا أن الواقع الميداني يظهر تبايناً صارخاً بين هذه الموارد والنتائج على الأرض.
يطرح هذا التفاوت سؤالاً مهماً حول فعالية وشفافية تدبير هذه الموارد، ومدى استغلالها في مصلحة الحفاظ على المدينة وراحة سكانها. فبدلاً من أن تتحول الحدائق إلى متنفس لأطفال المدينة وسكانها، تحولت إلى فضاءات جرداء تتخلى عنها الجهات المكلفة.
وسط هذه المآسي البيئية، تتصاعد معاناة سكان فاس الذين يواجهون ارتفاعاً مهولاً في درجات الحرارة. لا وجود لمساحات عامة خضراء تقيهم حر الصيف أو تمنحهم فرصة للتنزه والراحة، مما دفع مئات المواطنين إلى التوجه نحو الطريق السيار ومناطق نائية بحثاً عن بعض الهواء النقي وسط الأعشاب البرية، وهو ما يؤشر على حالة من الإحباط والحرمان من أبسط حقوقهم البيئية والاجتماعية.
إن فقدان هذه الفضاءات لا يمثل فقط أزمة بيئية، بل هو مؤشر واضح على تفاقم الأزمة الاجتماعية، حيث ترتبط صحة وراحة السكان ارتباطاً وثيقاً بوجود مساحات خضراء طبيعية.
الوضع الذي تعيشه فاس اليوم هو نتاج سنوات من التهميش وعدم المحاسبة، حيث غابت الآليات الفعالة للرصد والمتابعة، وتغولت حالة الارتجال في تدبير قطاع حيوي كهذا. إن التخلي عن الفضاءات الخضراء يجب أن لا يمر مرور الكرام، ولا يمكن أن يُعالج بحلول ترقيعية أو تدخلات وقتية لا تعالج الأسباب الجذرية.
في هذا الإطار، يحضر بوضوح خطاب جلالة الملك الذي شدد فيه على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو توجيه صارم يُعد بمثابة إنذار لكل من يقصر في أداء واجباته تجاه المواطنين وحقوقهم البيئية والاجتماعية.
بات لزاماً على الجهات المسؤولة، وعلى رأسها المجلس الجماعي الحالي، أن تعيد النظر بشكل جذري في سياسة تدبير الفضاءات الخضراء، وأن تبادر بوضع خطة شاملة لإعادة تأهيل الحدائق، وتفعيل دور المراقبة الصارمة، وإشراك المجتمع المدني في حماية هذه الثروات الطبيعية.
كما يتعين على المجلس مواجهة التحديات المالية والإدارية بحلول مبتكرة، وضمان استثمار الميزانية المخصصة للحدائق بشكل شفاف وفعّال، وعدم السماح لأي طرف بالتراجع عن مسؤولياته.
مدينة فاس ليست فقط مركزاً تاريخياً وثقافياً عريقاً، بل هي مدينة حية يعيش فيها ملايين المواطنين الذين يستحقون بيئة صحية وجمالية تضاهي تاريخها المجيد.
الوقت قد حان لإعادة الحياة إلى حدائق فاس، ووقف نزيف الإهمال الذي يستنزف موارد المدينة ويُثقل كاهل سكانها، ليتحولوا من ضحايا لارتفاع الحرارة ونقص التنفس إلى فاعلين في استعادة رونق مدينتهم وجمالها.






