سياسة

فاس.. نداء إلى المؤسسات الدستورية: ابتعدوا عن الجمعويات والمحزبات قبل أن تفقد المدينة ما تبقى من مصداقيتها

ملف تحليلي – فاس 24

تعيش مدينة فاس، العاصمة العلمية والتاريخية للمملكة، واحدة من أكثر المراحل قتامة في مسارها المدني والسياسي. فبينما كان يُفترض أن تكون منبراً للنخبة المثقفة والمبدعة، أضحت اليوم أسيرة وجوه مكرورة تُتقن لعبة  تعدد المناصب و“الحضور من أجل الحضور”، دون أثر يُذكر في التنمية أو العدالة المجالية.

وفي الوقت الذي تنظم فيه مؤسسات دستورية وازنة، مثل مؤسسة وسيط المملكة، لقاءات جهوية حول قضايا كبرى كـ “إدارة المساواة بين الجنسين في الخدمات الارتفاقية”، تتكرر المفارقة ذاتها: نفس الوجوه، نفس الأسماء، نفس الجمعيات التي لا تقدم شيئاً سوى استعراض الصور على المنصات والابتسامات أمام الكاميرات.

في فاس، لم يعد العمل الجمعوي عملاً تطوعياً، بل أصبح في كثير من الحالات قنطرة سياسية واقتصادية تُستعمل للوصول إلى المجالس المنتخبة أو إلى كواليس الصفقات.
مجموعة محدودة من “الفاعلات الجمعويات” يتنقلن بخفة بين كل الفضاءات: في الصباح ناشطات مدنيات، وفي المساء مناضلات حزبياً، وفي نهاية الأسبوع مقاولات يبحثن عن نصيب من كعكة المشاريع.

المفارقة الصادمة أن بعض هؤلاء لا يمتلكن أي رصيد أكاديمي أو ثقافي حقيقي، بل إن مستواهن المعرفي والسياسي محدود للغاية و يتخبطن في الأمية السياسية و لا يستطعن تكوين حتى جملة مفيدة، بينما يتقنّ البهرجة الإعلامية والتصفيق للمسؤولين، دون أي وعي نقدي أو تصور تنموي متكامل.
هكذا تم اختزال العمل الجمعوي إلى منصة للظهور والتقرب من دوائر القرار بدل أن يكون أداة للتغيير والمساءلة المجتمعية.

من داخل المجالس الجماعية والجهوية، تترسخ شبكة من المصالح تمتد إلى الجمعيات التي تُستعمل كواجهة “محايدة” لتبرير القرارات أو تمرير الصفقات.
إنها ظاهرة “المقاول السياسي” التي أفرغت العمل المدني من معناه، حيث تُمارس السياسة تحت غطاء الجمعيات، ويتم اقتسام الغنائم باسم “التنمية المحلية”.

أما الجمعيات التي تشتغل في صمت وبمهنية، فغالباً ما تُقصى من الدعوات الرسمية والتمثيل المؤسساتي، لأنها ببساطة لا تصفق ولا تزايد، بل تعمل.

إن المؤسسات الدستورية مدعوة اليوم إلى وقفة تأمل صريحة:
كيف يُعقل أن يتم استدعاء نفس الوجوه في كل نشاط رسمي، رغم ضعف أدائها وغياب أي أثر ميداني حقيقي؟
كان الأجدر بمؤسسة وسيط المملكة مثلاً أن تُعيد النظر في طريقة اختيار المدعوين إلى لقاءاتها، وأن تفتح المجال أمام المستقلين الحقيقيين والجمعيات الجادة التي تقدم خدمات فعلية للساكنة دون بهرجة أو صور تذكارية.

إن استمرار هذا النمط من التمثيل يُكرّس رسالة خطيرة مفادها أن الولاء أهم من الكفاءة، وأن فاس محكومة بأن تبقى ملعباً لذات “النخب الرمادية” التي لم تضف شيئاً سوى المزيد من الإحباط للمدينة وسكانها.

تقترب انتخابات 2026، ومعها يتجدد السؤال الجوهري:
هل سيستمر سكان فاس في التسليم بسيطرة نفس الأسماء التي أرهقت المدينة بشعاراتها الفارغة؟
أم أن الاستفاقة القادمة ستضع حداً لـ”الاحتكار الجمعوي والسياسي” وتمنح المدينة وجوهاً جديدة تمتلك فكراً وخبرة وكفاءة؟

فاس اليوم لا تحتاج إلى من يلتقط الصور، بل إلى من يصنع التغيير.
لا تحتاج إلى جمعيات للزينة، بل إلى عقول تُبدع، وضمائر تُحاسب، وأيادٍ تبني.

لقد آن الأوان لكسر دائرة “نخب الظل” التي تخنق روح العاصمة العلمية، وتعيدها إلى مكانتها التي تستحقها: مدينة للمعرفة، لا ساحة للمصالح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى