فاس: مدينة بسرعتين… النفايات تخنق الجمال والعمدة تحت مقصلة المساءلة

تعيش مدينة فاس، العاصمة العلمية للمملكة، تناقضاً صارخاً يضع مستقبلها الحضري على المحك. فبينما تتقدم أشغال التأهيل والبنية التحتية التي تقودها ولاية الجهة وشركة فاس للتهيئة جهة بوتيرة سريعة، كاشفةً عن وجه جديد ومشرق للمدينة، تترنح المدينة في دوامة أزمة خانقة ومزمنة هي أزمة النظافة والنفايات. هذا التباين يثير تساؤلات جدية حول فعالية التدبير الجماعي، ويضع عمدة المدينة والمجلس الجماعي في قفص الاتهام.
الاستثمار الضخم.. والمردود الصفري
يُشكل قطاع النظافة في فاس نموذجاً صارخاً لسوء تدبير الأموال العامة والمرافق الحيوية. لقد خصصت جماعة فاس ميزانية ضخمة تفوق 22 مليار سنتيم للشركتين المفوض لهما تدبير القطاع، وهما SOS (فاس 1) و ميكومار (فاس 2). هذا المبلغ، الذي كان يُفترض أن يضمن أعلى مستويات النظافة والتكنيس، لم ينتج سوى مشهد بيئي كارثي:
-
النفايات في كل زاوية: انتشار أكوام القمامة أمام المنازل وفي الشوارع الرئيسية والفرعية بشكل شبه يومي، مما يحول الأحياء إلى بؤر للتلوث البصري والصحي.
-
تزايد النقاط السوداء: لم تتمكن الشركتان من محاصرة النقاط السوداء التقليدية بل سمحتا بظهور نقاط سوداء جديدة، حيث أصبحت الأراضي الفارغة والمساحات غير المأهولة تتحول إلى مطارح عشوائية بامتياز.
-
التكنيس المفقود: يتم تسجيل غياب شبه مطلق لعمليات التكنيس في عدد كبير من الأحياء، حيث يقتصر الاهتمام -إن وجد- على الشوارع الكبرى، والتي بدورها لا تحصل على نصيبها الكامل من العناية.
-
نقص الإمكانيات: يشكو القطاع من قلة الموارد البشرية والحاويات الكافية، مما يطرح علامات استفهام حول مدى التزام الشركتين بدفاتر التحملات، وكأن الشركتين تديران “مزرعة خاصة” بأقل التكاليف على حساب صحة وجمالية المرفق العمومي.
المسؤولية المباشرة للعمدة والمجلس الجماعي
إن فشل الشركتين المفوض لهما هو في جوهره فشل مباشر للمشرف والمراقب: عمدة فاس عبدالسلام البقالي والمجلس الجماعي. إن مسؤولية المجلس لا تقتصر على توقيع العقود وتخصيص الميزانيات، بل تمتد لتشمل المراقبة الصارمة والتقييم الدوري لأداء الشركتين.
فالتأخر المتكرر لمرور شاحنات جمع النفايات، والذي يزيد من تفاقم الوضع البيئي، هو دليل على ضعف أو غياب آليات المتابعة والزجر. والمجلس اليوم مطالب، أكثر من أي وقت مضى، بـ إخراج دفتر التحملات إلى العلن لتمكين المواطنين والرأي العام من مساءلة الشركتين بناءً على الالتزامات التعاقدية المحددة.
تدخل الوالي: ضرورة استراتيجية قصوى
أمام هذا الوضع المتردي وفشل الجماعة في تدبير قطاع حيوي، أصبح تدخل سلطات الولاية أمراً لا مفر منه، وبات الوالي الجديد، خالد آيت الطالب، أمام تحدٍ إلزامي للنهوض بهذا القطاع الذي عانى في صمت لسنوات.
إن التحديات القادمة، وأبرزها احتضان فاس لمنافسات كأس الأمم الأفريقية 2025، تجعل من ملف النظافة قضية أمن قومي بيئي وحضري. فالمدينة التي تستعد لاستقبال العالم يجب أن تكون في أبهى حلة، لا أن تختنق تحت وطأة النفايات.
لقد حان الأوان لـ تجريد المنتخبين من صلاحيات تدبير القطاع والدفع نحو وضع استراتيجية إدارية جديدة تقودها الولاية، بعيداً عن الصراعات السياسية والتراخي الجماعي. إن ملايين السنتيمات التي تُصرف لا يجب أن تتحول إلى أطنان من الفشل والنفايات. على الشركات المفوض لها أن تدرك حجم المسؤولية، وعلى المجلس الجماعي أن يتحمل عواقب تقاعسه، وإلا فإن مصير فاس سيظل مرهوناً بسرعة التنمية التي تقودها الولاية، وبطء وغرق التدبير المحلي في بحر القمامة.






