قضايا

فاس تغرق في الأزبال… ميكومار تتحايل على دفتر التحملات وعمدة المدينة يحول العاصمة العلمية إلى مزرعة خاصة

منذ شهور مضت على انقضاء المرحلة الانتقالية المفترض أن تلتزم خلالها شركة “ميكومار” بتنزيل دفتر التحملات الجديد لتدبير قطاع النظافة بمدينة فاس، إلا أن الوضع ظل على حاله، بل ازداد سوءًا. فالعاصمة العلمية تغرق يوميًا في الأزبال، والشوارع تحولت إلى فضاءات متسخة تفقد رونق المدينة وتهدد الصحة العامة، فيما العمدة ومن معه يكتفون بموقف المتفرج، وكأن الأمر لا يعنيهم.

دفتر التحملات وُضع ليضمن انتقال قطاع النظافة بفاس نحو مستوى أفضل من التدبير، يراعي خصوصيات المدينة وتوسعها الديمغرافي. غير أن الشركة المفوض لها وجدت في صمت الجماعة المحلية فرصة للتحايل والتملص من التزاماتها، دون حسيب أو رقيب. فالمهلة انتهت منذ شهور، والوعود تبخرت، بينما الأسطول المهترئ ما يزال يجوب الشوارع، وتستمر الشاحنات المتهالكة في العمل بما يشبه “الترقيع” لا غير.

في مشهد يثير السخرية قبل الغضب، استنجدت الشركة بشاحنات معدة أصلاً لنقل الرمال لتوظيفها في جمع النفايات، في خطوة تعكس العبث والاستهتار بالمعايير التقنية والبيئية. هذا التحايل لا يسيء فقط لصورة المدينة، بل يطرح علامات استفهام حول مدى مراقبة الجماعة المحلية لالتزامات الشركة، وعمّا إذا كان هناك تواطؤ ضمني يغض الطرف عن هذه الممارسات.

اليوم، لا يحتاج المواطن الفاسي إلى تقرير رسمي ليُدرك حجم الكارثة؛ فالمشهد اليومي كافٍ: أزقة مكتظة بالحاويات المكسرة، نقاط سوداء للنفايات في كل حي تقريبًا، وانتشار الروائح الكريهة والقوارض. إنها صورة لمدينة عريقة تُترك لمصيرها وكأنها خارج خريطة التدبير الحضري.

رئيس مجلس جماعة فاس يلتزم صمتًا غريبًا إزاء هذا العبث. فإما أن العمدة يجهل تفاصيل ما يجري، وهذا بحد ذاته تقصير جسيم، أو أنه يعرف ويغض الطرف، ما يفتح الباب أمام فرضية أن المدينة تُدار بعقلية “المزرعة” لا بعقلية دولة الحق والقانون. في كلتا الحالتين، الخاسر الأكبر هو المواطن الفاسي الذي يؤدي ثمن الأزبال من جيبه وراحته وصحته.

إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط تراجع صورة فاس كمدينة ذات حمولة تاريخية وحضارية، بل يكشف أيضًا خللاً هيكليًا في منظومة التدبير المفوض بالمغرب، حيث تتحول الشركات إلى “أمراء قطاع” لا رقيب عليهم، فيما المجالس المنتخبة تُغيب دورها الرقابي إما بالعجز أو بالترضية السياسية.

فاس اليوم ليست فقط مدينة غارقة في الأزبال، بل هي عنوان لفشل جماعي في احترام القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة. والسؤال المؤرق: هل نحن فعلًا في دولة الحق والقانون حيث تُلزم الشركات بتنفيذ التزاماتها، أم في “مزرعة البقالي” حيث يظل المواطن مجرد متفرج على مشاهد العبث اليومي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى