عندما تتحول المراكز الاجتماعية إلى قاعات أعراس… عبث جمعوي تحت غطاء برلماني بفاس!

في مشهد صادم يعكس تدهور القيم وانحراف مفهوم العمل الجمعوي عن مساره، اهتزت مدينة فاس مؤخراً على وقع فضيحة مدوّية، بعد انتشار مقطع فيديو يوثق تحويل مركز اجتماعي بحي ظهر الخميس إلى قاعة حفلات ليلية تعج بالموسيقى والرقص، في تجاوز صارخ لأبسط الضوابط الأخلاقية والمؤسساتية.
المركز المعني، الذي أُقيم حديثاً تحت لافتة “العمل الاجتماعي” ويفترض أن يُعنى برعاية النساء والأطفال في وضعية هشاشة، تحول بقدرة قادر إلى فضاء خاص يُستغل في تنظيم الأعراس والمناسبات العائلية. الكارثة ليست فقط في المشهد الموثق، بل في أن الجهة المسيرة لهذا المركز ليست سوى جمعية ترأسها نائبة برلمانية تجمع بين سلطة القرار السياسي والتحكم في مفاصل التمويل العمومي تحت غطاء جمعوي.
ما حدث ليس مجرد تجاوز معزول، بل تكريس فجّ لواقع خطير يتمثل في تداخل السياسة بالعمل الجمعوي، واستغلال المرافق العمومية لأغراض شخصية وانتخابية، دون رادع أخلاقي أو رقابي. مركز اجتماعي بُني من المال العام، وبهدف إنساني، يتحول إلى منصة للولائم والسهرات العائلية، تحت أنظار مسؤولة سياسية من المفترض أن تحمي هذه الفضاءات من العبث، لا أن تحولها إلى “ضيعة خاصة”.
الواقعة أثارت موجة غضب واستنكار بين ساكنة فاس، الذين صُدموا من حجم الفساد الأخلاقي والإداري الذي يُدار به الشأن الجمعوي في بعض المقاطعات. جمعيات وهمية بواجهات براقة، تتستر خلف شعارات العناية بالفئات الهشة، بينما تمارس في الخفاء أسوأ أشكال الريع والاستغلال السياسي، وسط صمت مريب من المؤسسات الرقابية.
أما الجهات الرسمية التي يفترض بها حماية المرفق العمومي، فلا تزال تعيش في سبات، في وقت تُستباح فيه المراكز الاجتماعية وتُختزل في حفلات خاصة بمنطق “هذا ديالنا”، في مشهد يعكس انهيار المعايير وتفشي منطق “الوزيعة السياسية” داخل المدينة.
إن خطورة هذه الفضيحة لا تكمن فقط في الاستغلال المادي للمرفق، بل في اغتيال رمزية المركز الاجتماعي وتحويله من فضاء للرعاية والدعم، إلى مكان للرقص والفرجة، بحماية برلمانية.
فأين هي قيم المسؤولية والنزاهة؟ وأين هي الشعارات الرنانة التي يتغنى بها بعض السياسيين عن دعم الفئات الهشة وتمكين المرأة؟ وأين هي الجهات الرقابية التي يفترض أن تضع حداً لهذا العبث المفضوح باسم التنمية البشرية؟
المطلوب اليوم ليس فقط فتح تحقيق شكلي، بل مساءلة سياسية وأخلاقية شاملة، تشمل كل من تورط أو تواطأ أو غض الطرف عن هذا الانحدار المهول في تسيير المرافق الاجتماعية. فلا تنمية حقيقية مع جمعيات تتحول إلى أذرع انتخابية، ولا كرامة مؤسساتية مع سياسيين يخلطون بين العام والخاص، ويجعلون من العمل الجمعوي وسيلة للتربّح والتلميع.






