عطش الجهة… حين تجتمع تبريرات الشركة الجديدة وفشل المنتخبين لتجفيف و إرهاق ساكنة فاس مكناس

لم يعد انقطاع الماء الصالح للشرب في جهة فاس مكناس حدثًا عابرًا أو عطلاً عرضيًا، بل أصبح مشهدًا يوميًا يعري هشاشة البنية التحتية، ويفضح سنوات من التهميش الممنهج للقرى والأطراف لصالح المدن الكبرى.
من تاونات إلى مولاي يعقوب، ومن تازة إلى بولمان، الصنابير جافة، والشكاوى بلا مجيب، والمسؤولون يمارسون هوايتهم المفضلة: تعليق الفشل على شماعة الآخرين.
تاونات… تهميش فوق العطش
في القرى الجبلية لتاونات إقليم السدود، تعيش الأسر على جدول “حصص ماء” غير مكتوب: بضع ساعات في الأسبوع، وبأضعف ضغط ممكن. النساء يقطعن المسافات نحو الآبار، فيما الأطفال يجرون قنينات فارغة على طرق ترابية.
ورغم أن هذه المنطقة كانت دومًا مصدرًا مائيًا مهمًا، فإن المنتخبين اكتفوا بجعلها خزّانًا يغذي المدن و الضيعات الكبرى، تاركين أهلها عطشى مما جعل الساكنة لعدة جماعات ترابية تطلق نداء إستغاثة.
مولاي يعقوب… إقليم على الورق و العيون جافة للسكان
في مولاي يعقوب، المشهد أكثر سخرية. المياه المعدنية الحامية تتدفق ، بينما السكان يلاحقون شاحنات الصهاريج لجلب بضعة لترات للشرب،مع العلم الإقليم الذي يعرف أزمة في الماء بسبب غياب موارد للماء مهمة و كذلك ملوحة مياه المنطقة.
الأعذار الجاهزة تخرج من أفواه المنتخبين: “الأمر بسبب الجفاف”، وكأن السنوات الطويلة من سوء التخطيط لم يكن لها دور في الأزمة.
تازة وبولمان… الانقطاع يوقف الحياة
في تازة، المحيطة بالجبال و الوديان وهو العيون مازالت عدة مناطق تعيش رحلات العذاب للبحث عن قطرة ماء . في بولمان، الماشية تموت عطشًا، والزراعة تتهاوى، والفلاحون يبيعون مواشيهم بأبخس الأثمان لغياب الماء.
الصيف الحالي… الشركة الجديدة ووعود ذهبت مع أول عطب
مع دخول الشركة الجديدة للخدمات على خط تدبير الماء في الجهة، توقع المواطنون تحسنًا في التوزيع والصيانة. لكن ما حصل كان العكس تمامًا: انقطاعات متكررة، أعطاب متزايدة في القنوات الرئيسية، واستجابة بطيئة تفاقم الأزمة.
كل ذلك زاد من غضب السكان، الذين يرون أن الأمر ليس مجرد “مرحلة انتقالية” كما تدعي الشركة، بل استمرار لنفس سياسة الترقيع التي مارسها من سبقها.
المنتخبون… نظرية المؤامرة ضد المزارعين
ولم يكتفِ المنتخبون بالتقاعس، بل لجؤوا إلى خطاب مثير للسخرية في مناطق زراعة الكيف، مروجين أن “المزارعين يسرقون الماء ويكسرون القنوات”. وكأن السرقة هي السبب الوحيد، متناسين أن القنوات نفسها قديمة، متآكلة، وغير مؤهلة لتحمل ضغط الطلب المتزايد، و ان هناك عدة أشغال متوقفة و مشاريع ملكية ظلت عالقة و تقاعس عليها المدبرون والمصفقون.
بهذا المنطق، تحوّل العطش إلى قضية أمنية بدل أن يكون ملفًا تنمويًا.
المجالس المنتخبة ومجلس الجهة… تنمية بسرعتين
الحقائق على الأرض واضحة: مجلس الجهة والمجالس الإقليمية والمحلية ركزت مشاريع البنية التحتية على المدن الكبرى، فيما تُركت القرى والبوادي خلف الركب. سياسة المغرب بسرعتين التي فضحها جلالة الملك في خطاب العرش الأخير لم تأتِ من فراغ، بل من تراكم قرارات محلية فاشلة جعلت الماء في القرى ترفًا نادرًا.
خلاصة المشهد… أزمة مفتوحة بلا أفق
اليوم، جهة فاس مكناس تعيش على وقع عطش يضرب مفاصل الحياة اليومية. الشركة الجديدة فشلت في أول امتحان، المنتخبون يبررون ويبحثون عن كبش فداء، والمواطنون يدفعون الثمن من صحتهم ووقتهم وكرامتهم.
ويبقى السؤال الحارق: إلى متى سيظل الماء مشروعًا انتخابيًا مؤجلًا، بدل أن يكون حقًا مضمونًا لكل مواطن؟






