عاصفة “اللحوم الحمراء” تهز أركان السياسة والحكومة عشية افتتاح البرلمان: هل تطيح بـ”فيتو” الأغلبية وتلتزم بالرسالة الملكية لتخليق العمل التشريعي؟

على أعتاب عشية افتتاح الدورة الربيعية للبرلمان المغربي، الذي ينتظره الجميع غداً الجمعة بنبض متسارع، تهتز أركان المشهد السياسي والحكومي على وقع عاصفة “اللحوم الحمراء” التي فجرها الفريق الحركي. فبينما تستعد الفرق البرلمانية لاستئناف عملها التشريعي والرقابي، يلوح في الأفق صراع حاد أشعل فتيله الفريق الحركي، بقيادة أمينه العام محمد أوزين، بتقديمه طلباً جريئاً لتشكيل لجنة استطلاعية موسعة للتحقيق في ملف استيراد اللحوم الحمراء الذي أثقل كاهل المواطنين بأسعار جنونية تجاوزت كل التوقعات.
المبادرة التي قادها الفريق الحركي، والتي استقبلها الشارع المغربي بتفاعل واسع نظراً لما تمثله من صرخة في وجه الغلاء الفاحش، لم تمر مرور الكرام داخل أروقة البرلمان، بل هزت أركان التحالف الحكومي نفسه. فبعد أن بادر الحركيون بتقديم طلبهم لرئيس لجنة القطاعات الإنتاجية في السابع والعشرين من فبراير الماضي، مدعوماً بورقة تقنية مفصلة تحدد آليات عمل اللجنة الاستطلاعية، تفجرت الأزمة حينما أعلنت أربعة أحزاب معارضة عن انضمامها لهذه المبادرة، مطالبة بتفعيلها بشكل جدي وشفاف.
لكن رد فعل الأغلبية الحكومية جاء صادماً ومثيراً للدهشة، وكشف عن تخوفات عميقة لدى بعض مكوناتها. فبدلاً من التفاعل الإيجابي مع مطلب شعبي ومدعوم من قوى المعارضة، سارعت أربعة أحزاب منضوية تحت لوائها إلى إعلان رفضها للجنة الاستطلاعية التي يقودها الفريق الحركي، مقترحة في المقابل تشكيل لجنة استطلاعية “مستقلة”. هذه الخطوة، التي بدت محاولة التفاف واضحة على المبادرة الحركية، وضعت الأغلبية في موقف لا تحسد عليه، وكشفت عن تخوفات حقيقية من أن تكشف التحقيقات عن اختلالات عميقة قد تورط الحكومة في حسابات ضيقة وتفضح معطيات حساسة تهدد استقرارها السياسي.
في محاولة يائسة لإخماد نار “اللجنة الحركية”، سعت الأغلبية إلى محاولة “قتل” لجنة تقصي الحقائق الشرعية والقوية، واستبدالها بلجنة استطلاع باهتة وفارغة المضمون، لن يكون لها في نظر المراقبين أي تأثير حقيقي على أرض الواقع. هذه المناورة المكشوفة بدت وكأنها محاولة بائسة للحفاظ على صورة الحكومة أمام فضيحة محتملة تهدد مصداقيتها وثقة المواطنين فيها.
ومع اقتراب موعد افتتاح الدورة البرلمانية، يبرز سؤال محوري يفرض نفسه بقوة: هل سيلتزم رئيس ومكتب مجلس النواب بالرسالة الملكية السامية التي وجهت إليه في نفس المناسبة ، والتي أكدت على ضرورة تخليق الحياة البرلمانية والسياسية والالتزام الصارم بالقرارات الملكية؟ إن تنزيل هذه الرسالة على أرض الواقع يقتضي من البرلمان، بكل مكوناته، إعلاء المصلحة العامة وتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
وإنه لمن الأجدر بالحكومة أن تتجنب أي محاولات خفية لعرقلة عمل اللجنة الاستطلاعية، وأن تبادر، من منطلق أخلاقي، إلى دعم رئاسة الفريق الحركي لهذه اللجنة. كما أن دعوة فرق الأغلبية للانضمام إلى فرق المعارضة في هذه المبادرة الجادة سيعزز بشكل كبير مصداقية الحكومة والبرلمان على حد سواء. أما إذا اختارت الحكومة طريق المناورة والتسويف من خلال إستعمال ورقة الأغلبية و الفرق البرلمانية الموالية لها، فإنها ستضع نفسها في خانة المتورطين الفعليين مع أولئك “الفراقشية” الذين دمروا القدرة الشرائية للمواطنين وحرموا المغاربة من أبسط حقوقهم في الحصول على غذاء أساسي كـاللحوم.
إن المنطق السليم والأخلاق السياسية يقتضيان تسليم رئاسة اللجنة الاستطلاعية للفريق الحركي، الذي كان سباقاً للمبادرة وقادها بحس وطني عالٍ. كما أن انضمام الأغلبية إلى هذه المبادرة، وتشكيل لجنة تقصي حقائق حقيقية برئاسة الفريق الحركي، سيمثل خطوة شجاعة نحو تفعيل حقيقي للرسالة الملكية، وتأكيداً على تغليب المصلحة العامة على الحسابات السياسية الضيقة والمصالح الحزبية الآنية التي يبدو أنها تعيق التوصل إلى حلول جذرية لأزمة الأسعار. هذا الالتفاف حول مبادرة الفريق الحركي سيمثل أيضاً تجسيداً عملياً لمبدأ التعاون بين الأغلبية والمعارضة في خدمة الوطن والمواطنين، وهو جوهر العمل البرلماني النزيه.
إن قضية ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء لم تعد مجرد ملف اقتصادي عابر، بل تحولت إلى قضية رأي عام بامتياز، تمس صميم حياة المواطنين وقدرتهم الشرائية، وتختبر مصداقية المؤسسات المنتخبة وقدرتها على الاستماع إلى نبض الشارع. وعلى البرلمان، بكل مكوناته، أن يتعامل مع هذا الملف بجدية ومسؤولية، وأن يستجيب لتطلعات الشعب المغربي الذي يرى في هذه اللجنة الاستطلاعية بارقة أمل لكشف الحقائق وراء هذا الارتفاع الصاروخي في الأسعار ومحاسبة المتورطين، بغض النظر عن مواقعهم، وهو ما يتماشى بشكل مباشر مع دعوات تخليق العمل التشريعي وتعزيز الشفافية والمساءلة.
فهل ستنتصر إرادة الشعب والمبادرة الحركية، وتطيح بـ”فيتو” الأغلبية الذي يبدو مدفوعاً بحسابات سياسية ضيقة؟ وهل سيرتقي البرلمان إلى مستوى المسؤولية التاريخية ويلتزم بالرسالة الملكية لتخليق العمل التشريعي من خلال دعم هذه المبادرة وتمكينها من الوصول إلى الحقائق؟ الأيام القادمة ستحمل لنا الإجابة الحاسمة، وستكشف عن مدى قدرة المؤسسة التشريعية على الاضطلاع بدورها الرقابي بكل شجاعة واستقلالية، بعيداً عن أي ضغوط أو محاولات للتستر على الحقائق، ومؤكدة بذلك التزامها بتوجيهات القيادة العليا نحو عمل برلماني نزيه وفعال يخدم مصلحة الوطن والمواطنين أولاً وأخيراً. إن الأنظار كلها متجهة نحو البرلمان، الذي بات على المحك ليثبت أنه صوت الشعب الحقيقي وليس مجرد أداة لتمرير أجندات حزبية قد تتعارض مع المصلحة العامة.






