” طحن الزيتون يشتعل في تاونات.. احتجاجات الفلاحين تُعرّي اختلالات مطاحن فاس-مكناس وسؤال النفوذ وغياب الرقابة”

شرارة الـ 70 سنتيماً.. الغضب يطحن الزيتون في تاونات
اندلعت موجة من الغضب والاحتجاجات في إقليم تاونات وضواحي جهة فاس-مكناس، على خلفية قرار مفاجئ اتخذته “جمعية أرباب المطاحن” برفع سعر طحن الزيتون من 50 سنتيماً إلى 70 سنتيماً للكيلوغرام الواحد. هذا الارتفاع بنسبة 40% أثار سخطاً عارماً في أوساط الفلاحين الصغار والمزارعين الذين يعتبرونه “جشعاً” يهدد هامش ربحهم، خاصة في ظل تقلبات مواسم الجني. ويضع هذا الحراك الاجتماعي الجهات المسؤولة أمام تحدي الرقابة ومحاسبة قطاع حيوي تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي.
الفلاحون في عين العاصفة: قرار مجحف في موسم التقلبات
يعتبر الفلاحون هذا القرار “طعنة” في جهودهم، لا سيما أن عملية الطحن تمثل جزءاً أساسياً ومكلفاً من عملية إنتاج زيت الزيتون. وفي تصريحات لناشطين محليين، أكدوا أن الزيادة جاءت “دون سابق إنذار أو تبرير مقنع”، وتستغل حاجة الفلاح الملحة لإنهاء عملية الطحن في الوقت المناسب للحفاظ على جودة الزيت.
“كنا ندفع 50 سنتيماً، وهي تكلفة معقولة. لكن أن يُجبر الفلاح على دفع 70 سنتيماً فجأة، فهذا يعني أن جزءاً كبيراً من تعبه سيذهب لأصحاب المطاحن. لا يوجد أي مبرر لهذه الزيادة غير استغلال الفلاحين.”
المطاحن.. حيث يلتقي الاقتصاد بالسياسة
ما يزيد من تعقيد المشهد هو التركيبة الخاصة لملكية هذه المطاحن في الجهة. فالعديد من التقارير المحلية وشهادات الفعاليات المدنية تشير إلى أن جزءاً كبيراً من استثمارات المطاحن تعود إلى “ذوي النفوذ، والسياسيين، والبرلمانيين”.
لقد تحولت هذه المطاحن، بحسب هذه الفعاليات، إلى ما يشبه “مقرات لاستمالة الكتلة الناخبة”، حيث يتم توظيفها لخدمة أجندات سياسية غير معلنة خارج مواسم الانتخابات، مما يضع علامات استفهام حول تضارب المصالح وإمكانية استغلال الموقع الاقتصادي لتعزيز النفوذ السياسي. هذا الوضع يجعل المطاحن بمنأى عن الرقابة الفعلية، مما يمنحها حرية اتخاذ قرارات أحادية مثل قرار رفع سعر الطحن.
انتهاكات بيئية واختراق للقانون.. ملف المرج والفيتور
إضافة إلى الأزمة الاقتصادية المتعلقة بأسعار الطحن، تفتح الاحتجاجات ملفاً أخطر يتعلق بالاختلالات البيئية والقانونية داخل قطاع المطاحن:
تهديد البيئة بالمرج: يشكل التخلص من مادة “المرج” (بقايا عصر الزيتون السائلة) بطريقة غير قانونية تحدياً بيئياً كبيراً، حيث يتم تصريفها في الأودية والمجاري المائية، مما يلوث المياه الجوفية والسطحية ويهدد التنوع البيولوجي. هذا الاختراق للقوانين البيئية يتم في غياب شبه كلي لتدخلات الأجهزة الرقابية.
استغلال وبيع “الفيتور”: تتهم المطاحن باستغلال مادة “الفيتور” (بقايا صلبة يمكن إعادة معالجتها) وإعادة بيعها، وهي عملية كان من المفترض أن تعود بمنفعة جزئية على الفلاح أو يتم احتساب تكلفتها ضمن مصاريف التشغيل، عوض أن تشكل ربحاً إضافياً لصالح أصحاب المطاحن دون علم أو موافقة صريحة من المزارعين.
الرقابة الغائبة.. سؤال المسؤولية الحكومية
تتجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى الجهات المسؤولة عن الرقابة في جهة فاس-مكناس. فالسلطات المحلية والمصالح المختصة بالبيئة والتجارة متهمة بالغياب عن المشهد وعدم التحرك لضبط الأسعار، فرض المعايير البيئية، ومحاسبة المتورطين في تضارب المصالح أو الانتهاكات القانونية.
ويطالب الفلاحون والفعاليات المدنية بـ:
التراجع الفوري عن قرار رفع ثمن الطحن.
فتح تحقيق شامل في ملكية المطاحن وعلاقتها بالنفوذ السياسي.
تفعيل دور الهيئات الرقابية لضمان التزام المطاحن بالقوانين البيئية المتعلقة بمعالجة المرج والفيتور.
دعوة إلى العدالة في قطاع الزيتون
إن حراك تاونات ليس مجرد احتجاج على سعر الطحن، بل هو صرخة تكشف عن منظومة من الاختلالات العميقة في قطاع حيوي. وإذا استمر غياب الرقابة والشفافية، فإن هذا الجشع الاقتصادي-السياسي سيؤدي إلى تدهور كبير في ظروف عيش الفلاحين، ويقضي على أحد أهم الدعامات الاقتصادية لجهة فاس-مكناس، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً وحاسماً من السلطات المركزية لفرض العدالة الاقتصادية والبيئية.






