صفقة كراء السيارات، الوكالة الجهوية وتظاهرات بلا أثر.. مجلس جهة فاس مكناس تحت المجهر و مطالب بتفعيل لجنة تقصي الحقائق للوقوف على المشاريع؟

كشفت وثيقة رسمية صادرة عن مجلس جهة فاس مكناس عن تفاصيل صفقة كراء سيارات لفائدة المجلس الجهوي، أُسند تنفيذها لشركة خاصة تم اختيارها بعد منافسة مع شركتين . ورغم أن العروض كانت متقاربة، إلا أن تكلفة الخدمة أثارت جدلاً واسعاً بسبب ما اعتُبر تجاهلاً صريحًا لمبدأ ترشيد النفقات، خاصة في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتأزمة التي تعيشها الجهة.
المعطيات الواردة حسب وثيقة رسمية صادرة عن جهة فاس مكناس عن تفاصيل صفقة كراء سيارات لفائدة المجلس الجهوي، حيث تم اختيار شركة “وفا LLD” لتقديم الخدمة بمبلغ يقارب 897 ألف درهم (تقريبا بـ90 مليون سنتيم). وجاءت هذه الصفقة بعد منافسة مع شركتين أخريين عرضتا مبالغ تتراوح بين 840 ألف درهم و1.06 مليون درهم، وهي أرقام تثير تساؤلات حول مدى مراعاة معايير ترشيد النفقات في الصفقات العمومية.وتكشف أن الكلفة المعتمدة لكراء السيارات تجاوزت المعايير المعتادة في السوق، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول هامش الربح الكبير الذي قد تستفيد منه الشركات المتعهدة على حساب المال العام، في وقت تُشدّد فيه التوجيهات الحكومية على ضرورة خفض النفقات العمومية وإعادة توجيهها نحو القطاعات ذات الأولوية.
تأتي هذه الصفقة في سياق عام تتكاثر فيه مظاهر التبذير داخل مجلس جهة فاس مكناس، حيث يتم ضخ مبالغ ضخمة في تظاهرات شكلية لا تترك أي أثر تنموي ملموس. آخرها “منتدى السياحة الاستشفائية”، الذي نظّم في أجواء بروتوكولية فخمة، وتم تسويقه كحدث دولي واعد، لكنه لم يُفضِ سوى إلى كلمات منمّقة وصور تذكارية…و زيارة منتجع خاص، دون نتائج حقيقية على مستوى الاستثمار أو التشغيل أو إنعاش الاقتصاد المحلي.
ويلاحظ متابعون للشأن الجهوي أن مجلس فاس مكناس بات يتبنى سياسة ترويجية استعراضية، تقوم على تنظيم منتديات وملتقيات باهظة التكلفة، دون تقديم تقييمات واضحة أو مؤشرات موضوعية لمدى تأثير هذه الأنشطة على حياة المواطنين.
في ظل هشاشة اجتماعية صارخة، وبنية تحتية مهترئة في كثير من مناطق الجهة، يبدو أن المجلس الجهوي يصرّ على إعطاء الأولوية لمظاهر التسيير الإداري المريح، على حساب مشاريع التنمية الحقيقية. فكراء السيارات ليس سوى نموذج من نماذج كثيرة تعكس غياب البوصلة التنموية، وافتقار المسؤولين لرؤية تنطلق من الواقع الميداني، لا من مكاتب مكيفة و طاولات الإجتماعات التي كانت تؤثث بكل ما لذ و طاب عوض الملفات الحارقة التي تنتظر الساكنة،و بات مجلس الجهة يصادق على الميزانيات الضخمة و تحويلها الى الجهات التي تسهر على صرفها.
أمام هذا الوضع، تتزايد دعوات متتبعين على دفع مجلس الجهة الى تبني مشاريع مهيكلة لخدمة أقاليم التسعة المشلكة للجهة و ذلك من خلال تنمية المناطق القريبة و المحيطة بالمدن الكبرى لرفع الضغط و تنامي الهجرة القروية وهو ما يهدد السلم الإجتماعي ،و في وقت تُظهر فيه الساكنة حاجتها العاجلة لمشاريع تلامس معيشها اليومي: الماء، الطرق، النقل، الصحة، والتعليم.
في خضم هذا الجدل، أصبح من الضروري فتح ملف العلبة السوداء للوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع و مساءلتها، باعتبارها الذراع التقنية التي تُدبر عبرها العديد من الأوراش والمشاريع التي تموّل من ميزانية الجهة. وتُثار تساؤلات جدية حول طريقة إسناد بعض الصفقات، ومآل بعض المشاريع المنتهية و التي تعرضت للإختلالات، أو تلك التيتأخرت في التنفيذ دون أثر ملموس على الأرض،او المشاريع التي توجه الى إقليم دون أخر.
وقد بدأت بعض الأصوات داخل فرق المعارضة بالمجلس تطالب بإحداث لجنة لتقصي الحقائق، تُنبثق من داخل المجلس نفسه، وتُكلف بمراجعة جميع ملفات الوكالة ومراقبة تدبيرها، خاصة في ما يتعلق بالمشاريع التي أُطلقت متعثرة أو غابت عنها معايير النجاعة والجدوى الاقتصادية.
ما يحدث داخل مجلس جهة فاس مكناس لم يعد مجرد خلل في التدبير، بل أصبح نموذجًا واضحًا للسياسة الاستهلاكية الفاقدة لأي بُعد استراتيجي، والتي تساهم في تكريس الفوارق وتغذية الشعور بعدم الإنصاف في توزيع الثروة والفرص.






