صرخة “سيكوميك” من مكناس: أربع سنوات من التشريد تهزّ ثقة “الأمل المغربي”

منذ أكثر من أربع سنوات، تحوّلت حياة أزيد من 400 عامل وعاملة في مدينة مكناس إلى كابوس مستمر من التشريد واليأس، بعد إغلاق مفاجئ لمعمل “سيكوميك” (Sicomac) للنسيج. لم تكن هذه مجرد حادثة إغلاق عادية، بل أصبحت رمزاً للفشل المؤسساتي الذريع في حماية حقوق العمال وتطبيق برامج الدولة الاجتماعية على أرض الواقع. اليوم، يطرح ملف “سيكوميك” سؤالاً وجودياً حول جدوى “الحلم المغربي” و”الأمل المغربي” في نظر مئات الأسر التي فُقدت مصدر رزقها.
ما يميز قضية “سيكوميك” هو المدة الطويلة التي استغرقتها هذه المأساة دون إيجاد حل جذري. فمنذ اللحظة التي وجد فيها المئات من العمال أنفسهم في الشارع، وهم يصارعون ليس فقط من أجل حقوقهم، بل من أجل البقاء بكرامة.
لقد تنوعت أشكال الاحتجاجات؛ من الوقفات المتكررة أمام المعمل والمؤسسات الحكومية المحلية، إلى المسيرات والنداءات المتواصلة عبر وسائل الإعلام. ورغم كل هذه الصرخات، كان الرد المؤسساتي بطيئاً، وفي غالب الأحيان، غائباً تماماً. تحول الملف من مجرد قضية نزاع بين عمال ومُشغّل إلى قضية مجتمعية تكشف هشاشة الحماية الاجتماعية في مواجهة الأزمات الاقتصادية.
يشعر الضحايا اليوم بأنهم مجرد أرقام في سجلات المتابعة، وأن مصيرهم لم يكن يوماً أولوية حقيقية لدى الجهات المعنية. هذا الشعور بالخذلان يتفاقم مع مرور الزمن، ليقوّض آخر ما تبقى من إيمانهم بـ**”نجاعة” برامج الدعم الاجتماعي** التي تروّج لها الدولة.
تُعد قضية عمال وعاملات “سيكوميك” عنواناً لفشل ذريع تتحمل مسؤوليته بشكل مشترك عدة أطراف ومؤسسات كان من المفترض أن تكون شبكة أمان اجتماعية واقتصادية:
- وزارة الشغل والإدماج المهني: كان دورها هو الوساطة الفعالة والسريعة لضمان حقوق العمال وتعويضهم وفق القانون، أو إيجاد حلول لاستمرار النشاط أو تصفية الملفات العالقة في آجال معقولة. لكن البطء في المعالجة أطال أمد الأزمة.
- المؤسسات القضائية: رغم أن الملفات وصلت إلى أروقة المحاكم، إلا أن البطء في إصدار الأحكام النهائية وتنفيذها، خاصة في قضايا التعويضات، ساهم في استمرار تشريد العمال لأكثر من أربع سنوات.
- السلطات المحلية والمنتخبة (عمالة، جماعات): كان من دورها الضغط وإيجاد حلول اقتصادية عاجلة، كإعادة تأهيل المعمل أو البحث عن مستثمر بديل، أو حتى توفير فرص شغل مؤقتة للعمال المشرَّدين، لكن هذه الجهود بدت محدودة أو غير مؤثرة.
- صندوق الضمان الاجتماعي (CNSS): رغم وجود آليات للتعويض في حالات الإغلاق والتوقف عن العمل، فإن الإجراءات المعقدة وطول أمد الملفات غالباً ما يحول دون استفادة العمال بالسرعة المطلوبة لتجاوز الصدمة الأولى.
لقد أثبت هذا الملف أن الآليات القانونية والاجتماعية القائمة غير قادرة على التعامل بمرونة وسرعة مع الأزمات الاقتصادية العميقة، مما يترك المئات من الأسر فريسة للفقر والهشاشة.
بعد كل هذه السنوات من التشريد، ومن الأوضاع الاجتماعية “الجد صعبة”، يطرح صوت الضحايا تساؤلات محرجة ومباشرة على الدولة والمجتمع: ماذا تنتظرون من هؤلاء الضحايا؟
أن يُطلب من عمال فقدوا كل شيء أن يؤمنوا بـ**”الحلم المغربي”** و**”الأمل المغربي”**، وهم يعيشون في وضع مادي ونفسي مزرٍ، هو ضرب من السخرية القاسية. بالنسبة لهم، يتحول “الأمل” إلى مجرد شعار أجوف، في ظل غياب الحماية الأساسية.
هذا التشريد الجماعي يبعث برسائل سلبية قوية:
- اهتزاز الثقة: يؤدي إلى اهتزاز ثقة المواطنين في جدية البرامج الحكومية التي تهدف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية ومحاربة الهشاشة.
- تفشي اليأس: يغذي شعوراً باليأس والإقصاء لدى الفئة العاملة، ويدفع الشباب إلى البحث عن فرص في الخارج (الهجرة غير النظامية) باعتبارها الحل الوحيد للهروب من واقع الفشل المؤسساتي.
- ضرب العدالة الاجتماعية: يُظهر أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بقرارات وقوانين فقط، بل بآليات تنفيذ سريعة وفعالة تحمي الفرد في أوقات الأزمة.
إن قضية عمال وعاملات “سيكوميك” في مكناس ليست مجرد خبر عابر، بل هي جرح غائر في جسد “المغرب الحديث”، وتذكير قاسٍ بأن نجاح أي نموذج تنموي يقاس بقدرته على حماية أضعف فئاته في أحلك الظروف. فهل تجد هذه الصرخة أخيراً آذاناً صاغية قبل أن يطفح الكيل؟






