“صالح داحا”: رجل السلطة و إطفائي النيران الإجتماعية بإقليم تاونات.. خبير التنمية الميدانية يقود التحدي الجديد في عاصمة دكالة

بعد مسار حافل بالعطاء قارب السبع سنوات (من غشت 2018)، يغادر السيد سيدي صالح داحا، عامل إقليم تاونات، مهامه متوجاً بالثقة الملكية السامية من جديد، حيث عُيّن عاملاً على إقليم الجديدة. هذا الانتقال ليس مجرد تغيير إداري، بل هو تتويج مستحق لرجل سلطة أثبت جدارته في تدبير إقليم معقد التضاريس والتحديات الاجتماعية، ومنحه فرصة لقيادة قطب اقتصادي حيوي في عاصمة دكالة، التي تشكل قناة ربط استراتيجية بين قلب المغرب النابض والعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء.
صالح داحا.. سيرة مهنية بخلفية دولية وعمق محلي
السيد صالح داحا، الذي ولد سنة 1969 بإقليم العيون، يمثل نموذجاً للكفاءات الإدارية المغربية ذات التكوين المزدوج والأبعاد المتعددة:
- الخلفية الأكاديمية الراقية: هو حاصل على دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في التجارة الدولية ودبلوم الدراسات المعمقة في الاقتصاد الدولي من جامعة السوربون بباريس، بالإضافة إلى شهادة التخصص في السياسات العامة من المدرسة الوطنية للإدارة بباريس (ENA 2013). كما يتقن بطلاقة اللغات العربية، الإسبانية، الفرنسية، الإنجليزية، والألمانية.
- مسار متعدد الأوجه: بدأ داحا مساره المهني في القطاع الخاص كـ مستشار في التجارة الدولية بباريس، قبل أن يعود إلى المغرب ليتولى مناصب إدارية هامة، أبرزها:
- مدير مكلف بجهة العيون- بوجدور- الساقية الحمراء لدى وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأقاليم الجنوب (2006-2010).
- مدير التعاون الدولي والشؤون الاقتصادية بوكالة تنمية الأقاليم الجنوبية (2010).
- رجل السلطة المتدرج: حظي بالثقة الملكية عاملاً على إقليم سيدي إفني في يناير 2014، ثم عاملاً على إقليم تاونات في غشت 2018، ليؤكد أن مساره الإداري هو مسار ثقة متواصلة ومبني على النتائج.
سبع سنوات من الحكامة الميدانية في “قلعة جبالة”
تاونات، بإقليمها الذي يضم 49 جماعة ترابية ومناطق جبلية وعرة، كان اختباراً حقيقياً لقدرة داحا على ترجمة التوجيهات الملكية إلى مشاريع ملموسة. وقد أفلح في تكريس المفهوم الجديد للسلطة عبر مقاربتين متكاملتين:
مقاربة القرب و”إطفاء الحرائق الاجتماعية”:
تميز داحا بكونه رجل سلطة يتقن التواصل وينبذ البرودة الإدارية. لقد كان يجسد نموذج العامل المواطن الذي ينزل إلى الميدان بانتظام، ويرأس اجتماعات واسعة ومفتوحة مع الساكنة والمنتخبين والنسيج الجمعوي الجاد. هذا الحضور المباشر مكنه من:
- الاستماع للنبض الشعبي: وضع مشاكل المواطنين في صدارة الأولويات، خاصة ما يتعلق بـ الماء الصالح للشرب وربط القرى النائية بالبنيات الأساسية.
- فض النزاعات وتأمين الاستقرار: كان عاملاً حاسماً في إطفاء النيران الاجتماعية وحل القضايا العالقة والنزاعات القبلية أو الإدارية، من خلال تطبيق صارم للقانون ممزوج بالمرونة والإنصات.
- رقمنة الخدمات ومحاربة الفوضى: كان رائداً في تحديث بعض القطاعات، مثل رقمنة خدمات النقل الحضري لسيارات الأجرة الصغيرة عبر تتبيت العدادات، ما قلص من الفوضى وقضى على “الريع” غير المشروع في هذا القطاع.
الأوراش العملاقة وتغيير وجه الإقليم:
في عهده، استفاد إقليم تاونات من أوراش كبرى غيرت واقعه التنموي بشكل جذري، مستفيداً من برامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية:
| قطاع المشروع | أبرز المنجزات | الأثر التنموي |
| البنية التحتية الطرقية | تسريع وتيرة إنجاز تثنية الطريق الوطنية رقم 8 (الطريق السريع فاس-تاونات)، بتكلفة إجمالية تناهز 1.5 مليار درهم، لفك العزلة نهائياً عن الإقليم. | تحسين جاذبية الإقليم للاستثمار، تسهيل حركة السير، وتقليص زمن السفر بشكل كبير. |
| الأمن المائي | الدفع بقوة لأشغال سدي “الرتبة” و “سيدي عبو”، وإطلاق مشروع مهيكل لتزويد الجماعات بالماء الشروب انطلاقاً من سد إدريس الأول. | ضمان الأمن المائي على المدى الطويل، توسيع المساحات المسقية، ودعم التنمية الفلاحية والسياحة الجبلية. |
| القطاع الاجتماعي (الصحة والتعليم) | بناء وتأهيل مراكز صحية ومستشفيات القرب (الجيل الجديد)، تدشين مركز تصفية الدم، وبناء وتأهيل عشرات المؤسسات التعليمية في العالم القروي. | تحسين مؤشرات الرأسمال البشري، وتقريب الخدمات الأساسية من الساكنة. |
| التنمية الاقتصادية | المواكبة الحكيمة لملف تقنين زراعة القنب الهندي، لضمان استفادة الفلاحين المحليين من المنافع الاقتصادية لهذا التحول الكبير. دعم التعاونيات وتثمين المنتجات المحلية (زيت الزيتون والمنتجات الحرفية). | خلق فرص شغل جديدة، وتحسين دخل الفلاحين والشباب، وتنشيط الدورة الاقتصادية. |
الآفاق المستقبلية.. داحا في الجديدة “قائد التوازنات”
تعيين داحا عاملاً على إقليم الجديدة يأتي في مرحلة تتطلب قيادة استراتيجية واقتصادية من الدرجة الأولى. الجديدة ليست إقليماً جغرافياً معقداً مثل تاونات، بل هي قطب اقتصادي وصناعي وسياحي ضخم، وهو ما يضع داحا أمام تحديات من نوع آخر تتطلب خبرته الدولية والعملية:
- تعزيز القطبية الاقتصادية: الجديدة هي موطن لأكبر استثمارات صناعية وطاقية، ويُنتظر من داحا دعم مناخ الأعمال وتعزيز الشراكات بين القطاع الخاص والعام، وتثمين موقع الإقليم كـ قناة ربط لوجستية أساسية.
- تنظيم التظاهرات الكبرى: الإقليم يستضيف تظاهرات وطنية ودولية كبرى، تتطلب قدرة عالية على التنظيم والتدبير اللوجستي، وهي مهمة تتناسب مع صرامته الإدارية ومهاراته التنظيمية التي ظهرت في تاونات.
- التنمية السياحية الساحلية: إلى جانب الأنشطة الصناعية، سيتعين على داحا وضع خطة واضحة لتأهيل المنتجعات الساحلية ومواجهة التحديات العمرانية والتنموية في مدن كبرى مثل أزمور والجديدة نفسها، مستفيداً من تجربة تطويره للمدارات السياحية في تاونات.
إن سيدي صالح داحا، رجل الدولة الذي أتقن فن القيادة في الأقاليم الجبلية المثقلة بإرث تاريخي، وحاز ثقة الساكنة من خلال التواصل الميداني، هو الرجل المناسب لقيادة إقليم الجديدة نحو مرحلة جديدة من التنمية المتوازنة والفعالة، ليساهم في مسيرة الثقة الملكية بخطوات نحو إنجازات وطنية كبرى.






