قضايا

شلل رقمي خانق يخنق مصالح المغاربة: مؤسسات في ‘ورطة ورقية’ ومواقع تحت رحمة ‘قراصنة الجزائر’.. وحتى مطارات المملكة في مرمى التذاكر التقليدية!

لم يعد الأمر مجرد تعطل عابر للخدمات الإلكترونية؛ بل تحول إلى شلل رقمي خانق يكبّل حركة المؤسسات العمومية وشبه العمومية في المغرب، ويُلقي بمصالح المواطنين والشركات في أتون التأخير والعراقيل. فبدلاً من “العصر الحجري”، بتنا نشهد عودة مُرّة إلى “الورقة والقلم” في محاولة يائسة لتسيير الأمور.

ففي أعقاب موجة الأعطال التي ضربت المنصات الرقمية، والتي يُخشى أن تكون ناتجة عن هجمات سيبرانية مُستمرة، لجأت مؤسسات كبرى مُرغمة إلى العمل اليدوي لتسليم الشواهد الإدارية. ورغم هذه العودة الاضطرارية إلى الإجراءات التقليدية، لم تتخذ أي قرارات لتسريع وتيرة تسليم هذه الوثائق للمواطنين والشركات، الذين باتوا يتجرعون مرارة الانتظار وتأخر مصالحهم الحيوية.

الأكثر إثارة للقلق، هو الشلل الذي أصاب العديد من المواقع الإلكترونية التابعة لهذه المؤسسات، خوفاً من استهدافها بهجمات سيبرانية جديدة. هذا الحذر المشروع، وإن كان يعكس وعياً متزايداً بالتهديدات الرقمية، إلا أنه يُفاقم من معاناة المواطنين. فالحصول على وثائق ضرورية من إدارة الضرائب، أو إنجاز معاملات لدى الضمان الاجتماعي، أو حتى تجديد بطاقة الصحافة – الذي توقف موقعه منذ الهجوم السيبراني الأول الذي تبنته كتائب قراصنة جزائرية – بات رحلة عذاب محفوفة بالتأخير والإحباط.

بل إن تداعيات هذا الشلل الرقمي وصلت إلى قطاعات حيوية أخرى، حيث اضطرت حتى مطارات المملكة أمس إلى اللجوء إلى العمل بالتذاكر الورقية التقليدية بدلاً من النظام الرقمي المعتاد. ويأتي هذا الإجراء الاحترازي بعد أن تسبب هجوم سيبراني واسع النطاق استهدف إسبانيا وأدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عنها، في امتداد آثاره إلى المغرب، خاصة في قطاعات حساسة كالمطارات وشركات الاتصالات الهاتفية، التي شهدت بدورها اضطرابات في خدماتها الرقمية.

ورغم الميزانيات السنوية الضخمة التي تُخصص لحماية الأنظمة الإلكترونية، يتضح اليوم حجم الهشاشة التي تعاني منها هذه البنية التحتية الرقمية. فبدلاً من حصن منيع، تحولت هذه المنصات إلى ساحة مكشوفة للتهديدات السيبرانية، يدفع ثمنها في نهاية المطاف المواطن والشركات التي تعتمد عليها في تسيير شؤونها.

يزيد من وطأة هذا الوضع، استمرار بعض الإدارات في مطالبة المواطنين والشركات بوثائق يستحيل الحصول عليها عبر الإنترنت في الوقت الحالي. هذا الإصرار على إجراءات معلقة يُظهر فجوة واضحة بين واقع التعطل الرقمي وحاجة المواطنين الملحة لإنجاز مصالحهم.

إن هذا الشلل الرقمي ليس مجرد إزعاج عابر؛ بل هو مؤشر خطير على مدى استعدادنا لمواجهة تحديات الفضاء السيبراني وتأثيرها المباشر على حياة المواطنين والاقتصاد الوطني. وبينما يُلقى بظلال الشك والاتهام نحو “كتائب القراصنة الجزائرية” التي تبنت الهجوم الأول، وتتضح تبعات الهجوم على إسبانيا وامتدادها إلى بنيتنا التحتية الحيوية، يبقى السؤال الأهم: متى ستستفيق مؤسساتنا من هذه الغفوة الرقمية وتضع استراتيجيات فعالة لحماية بنيتها التحتية الإلكترونية وضمان استمرارية الخدمات للمواطنين دون تأخير أو تعقيد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى