سيدي أحرازم.. من جنة المياه المعدنية إلى بؤرة الفوضى و الإهمال: وعود وزارية تبخرت ومنتجع يستغيث قبل مونديال 2030!

روبورتاج خاص “فاس24” – سيدي أحرازم : عبدالله مشواحي الريفي
على أعتاب مدينة فاس العريقة، حيث تتشابك خيوط التاريخ برائحة الياسمين، يرقد منتجع سيدي أحرازم، ذلك الاسم الذي طالما ارتبط بالراحة والاستشفاء، في غيبوبة عميقة. لم يعد هذا الملاذ الطبيعي، الذي استقبل على مر العقود آلاف الزوار من داخل المغرب وخارجه، سوى هيكل باهت يشكو الإهمال من إنتشار خيام و حصائر الفوضى الى تآكل البنيات التحتية، شاهداً على تقاعس مزمن وغياب رؤية استراتيجية لإنقاذ معلم سياحي وتاريخي من الضياع.
مشربات تحتضر وبنية مهترئة.. صورة قاتمة تستقبل الزوار:
أول ما يصدم الزائر لسيدي أحرازم اليوم هو المشهد القاتم للمشربات، قلب المنتجع النابض. تلك الينابيع التي كانت تتدفق بمياه معدنية فريدة، تشتهر بخصائصها العلاجية، باتت تعاني من إهمال واضح وتأخر لا يغتفر في عمليات الإصلاح والتأهيل. الصدأ يكسو صنابيرها، والعبث يطال جدرانها، و الأوساخ تغطي جنباتها، مما يحرم الراغبين في الاستفادة من هذه الثروة الطبيعية من الوصول إليها في ظروف لائقة.
لا يقتصر التدهور على المشربات وحدها، بل يمتد ليشمل البنية التحتية للمنتجع بأكمله. الطرق المؤدية إليه وعرة، والمسالك الداخلية مهملة، والإضاءة شحيحة، مما يخلق جواً من الكآبة وعدم الأمان. المرافق الصحية الأساسية، والتي تعتبر من أبجديات أي منتجع سياحي، إما غير متوفرة أو في حالة يرثى لها، تنفر الزوار وتجعل إقامتهم تجربة غير مريحة على الإطلاق.
وعود وزارية في مهب الريح.. حبر على ورق وتطلعات محبطة:
تزيد مرارة الواقع حدة عندما يتذكر السكان والمهتمون بالشأن السياحي الوعود المعسولة التي قدمتها وزيرة السياحة خلال زيارتها السابقة للمنتجع. تصريحات طنانة عن إصلاحات جذرية وتأهيل شامل تبخرت في الهواء الطلق، وبقيت مجرد حبر على ورق. هذا التخاذل من الجهات الوصية يزرع بذور اليأس في نفوس الغيورين على هذا المعلم، ويؤكد غياب إرادة سياسية حقيقية لإنقاذه من براثن الإهمال والتدهور.
“صوطيرمي”.. أرباح طائلة وتنمية غائبة.. معادلة غير عادلة:
في قلب هذه المعاناة، يبرز الدور “الغامض” لشركة “صوطيرمي”، المستحوذة على حق استغلال مياه سيدي أحرازم المعدنية وتعبئتها وتسويقها لعقود طويلة. تحقق الشركة أرباحاً طائلة من هذه الثروة الطبيعية التي تنبع من أرض المنتجع، لكن المنطقة المحيطة بها لا تكاد ترى أي أثر لهذه الثروة. غياب أي مبادرة تنموية ملموسة من طرف الشركة تجاه المنطقة سوى إستنزاف ثرواتها للمياه المعدنية، التي تعاني من التهميش وتدهور البنية التحتية، يثير علامات استفهام كبيرة حول مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات المستغلة للموارد المحلية ودورها في تحقيق تنمية مستدامة للمجتمعات التي تنشط فيها. إنها معادلة غير عادلة تستدعي وقفة تأمل ومساءلة.
فندق صندوق الإيداع والتدبير.. مشروع معطل وفرصة ضائعة لمونديال 2030:
يزيد الطين بلة، سيطرة صندوق الإيداع والتدبير على فندق مهم داخل المنتجع، كان من المفترض أن يخضع لعملية إعادة تأهيل شاملة استعداداً لاستضافة المغرب فعاليات كأس العالم 2030. هذا الحدث العالمي كان يمكن أن يشكل فرصة ذهبية لإعادة إحياء المنتجع وجعله وجهة سياحية جاذبة. لكن حتى الآن، لم يتم إطلاق أي مشروع ملموس لإعادة تأهيل الفندق، وبقي كما هو شاهداً على ضياع فرصة استثمارية وسياحية هامة للمنطقة بأسرها.
فوضى عارمة وسوق عشوائي.. استغلال بشع وغياب التنظيم:
المشهد الأكثر إيلاماً هو تحول محيط المشربات إلى فضاء يعمه الفوضى والعشوائية. ساحات يفترض أن تكون متنفساً للزوار تحولت إلى سوق مؤقت يعج بالباعة المتجولين والخيام المنصوبة بشكل عشوائي، مما يعيق حركة المرور ويشوه جمالية المكان. محاولة الاقتراب من المشرب لشرب المياه النقية تتحول إلى رحلة عذاب بسبب سيطرة سماسرة وحراس سيارات غير قانونيين يفرضون “إتاوات” باهظة على الزوار، في استغلال بشع يعكس غياب سلطة القانون والتنظيم.
المجلس الجماعي.. عجز معلن وانتظار لتدخل “المنقذ”:
أمام هذا الانهيار المتسارع، يقف المجلس الجماعي مكتوف الأيدي، يعلن عجزه المالي عن التدخل لإنقاذ المنتجع، وينتظر “معجزة” أو تدخلاً من السلطات الإقليمية والقطاعات الوزارية المعنية. هذا الاعتراف بالقصور يثير تساؤلات حول دور المنتخبين المحليين ومسؤوليتهم تجاه تنمية مناطقهم والحفاظ على موروثها السياحي والاقتصادي. إن انتظار “المنقذ” الخارجي يعكس غياب مبادرة ذاتية ورؤية محلية للنهوض بالمنتجع.مع ان الواقع المزري للمنتجع الذي وصل اليه اليوم تتحمل مسؤوليته المجالس المنتخبة في شخص رئيس عمر في كرسي الرئاسة لاكثر من 20 سنة وكان شعاره هو خدمة مصالحه الشخصية و تنزيل “الزبونية” لإسكات معارضيه.
صرخة استغاثة أخيرة.. هل ينقذ سيدي أحرازم قبل فوات الأوان؟:
إن منتجع سيدي أحرازم اليوم ليس مجرد بقعة مهملة، بل هو رمز لفشل ذريع في تدبير الموارد الطبيعية والثروات السياحية. إنه مرآة تعكس غياب الإرادة الحقيقية والجدية في الحفاظ على إرث تاريخي واقتصادي هام للمنطقة. قبل أن يبتلعه النسيان وتتحول صوره الجميلة في الذاكرة إلى مجرد حكايات عابرة، يطلق سيدي أحرازم صرخة استغاثة أخيرة. هل سيستجيب المسؤولون لهذه الصرخة؟ هل ستتحرك الجهات المعنية لإنقاذ هذا المنتجع الأيقوني وإعادته إلى سابق عهده؟ الإجابة على هذا السؤال المصيري تبقى معلقة في انتظار تدخل عاجل وحاسم قبل فوات الأوان. فهل سنشهد عودة الروح إلى هذا الجسد المتهالك، أم سنكتفي بتسجيل مرثية حزينة لواحة إستشفائية كانت يوماً فخراً لمدينة فاس و ملاذا لمرضى يشربون الماء و يتذرعون الى سبحانه و تعالى ان يرفع عليهم السقم.






