سياسةغير مصنف

زلزال صفقات الأدوية يضرب قبة البرلمان: الوزير في عين الإعصار والمعارضة تطالب بـ “تقصي الحقائق” فوراً!

شهدت قاعة اللجنة البرلمانية للقطاعات الاجتماعية يوم أمس الأربعاء (19 نوفمبر 2025) سجالاً حامياً تحول إلى ما يشبه “منطقة حرب سياسية”، بعد المواجهة المباشرة بين وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، ونواب الأمة، على خلفية فضائح صفقات اقتناء الأدوية التي تزكم رائحتها أنوف الرأي العام. الاجتماع، الذي كان يفترض أن يكون للتوضيح، انتهى بتعميق الشكوك وتصعيد المطالب نحو اللجوء إلى أعلى سلاح رقابي: لجنة تقصي الحقائق.

كانت القضية المحورية التي فجّرها نواب المعارضة، وعلى رأسهم رئيس مجموعة العدالة والتنمية، تتعلق بـ شبهة تضارب المصالح في تفويت صفقات أدوية حيوية، تحديداً صفقة دواء “كلوريد البوتاسيوم” (KCl)، وهو دواء أساسي لا يحتمل السوق نقصاً فيه.

وجهت المعارضة اتهامات مباشرة وغير مسبوقة بوجود “خدمات خاصة” ومحاباة لجهات معينة، أو شركة حديثة الولادة ومقربة من الدوائر الحكومية، في تمرير هذه الصفقات بمليارات السنتيمات.

في المقابل، حاول الوزير أمين التهراوي الرد على هذه الاتهامات بالنفي القاطع، مشدداً على أن “الصفقات العمومية تخضع لمنظومة قانونية صارمة ووزارة المالية”، وأكد أن الصفقة أُسندت لشركة إنتاج محلية. ومع ذلك، لم ترق هذه التبريرات نواب المعارضة، الذين اعتبروا أن “رواية الوزير جاءت مرتبكة ومحاولة للتملص” من الإجابة الشافية حول التساؤلات المشروعة التي تخص الشفافية والنزاهة في تدبير المال العام.

لم يقتصر الهجوم على شبهة تضارب المصالح، بل اتسع ليشمل الجرح الغائر المتعلق بـ أسعار الأدوية الخيالية في المغرب. أكد النواب أن المغاربة يدفعون أضعاف أسعار الأدوية المتداولة في الأسواق الأوروبية والمجاورة، مشيرين إلى أن هوامش الربح المبالغ فيها تُثقل كاهل المريض وتُحوّل قطاع الصحة إلى قطاع “إثراء خاص” بدلاً من كونه مرفقاً عمومياً.

هذا الغلاء يطرح تساؤلاً جوهرياً حول الإرادة الحقيقية للحكومة في تحرير جيب المواطن من قبضة لوبيات الدواء، وحول تفعيل الإجراءات الكفيلة بخفض الأسعار، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن السيادة الدوائية التي يجب أن تبدأ بالعدالة في التسعير.

أمام ما اعتبرته المعارضة “غموضاً وإصراراً على عدم الوضوح”، انتهى السجال بتصعيد خطير: المطالبة الرسمية بتشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق.

هذا المطلب ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو بمثابة سحب صريح للثقة في قدرة الوزارة على توفير الشفافية حول هذه الصفقات الضخمة. إن لجنة تقصي الحقائق، بصفتها أداة دستورية تملك صلاحية الوصول إلى جميع الوثائق السرية والتحقيق مع الأطراف المعنية، هي الملاذ الأخير لـ كشف المستور وتحديد المسؤوليات، وقد تُحيل الملفات المشبوهة إلى القضاء.

 لقد أثبت اجتماع الأمس أن ملف صفقات الأدوية هو “علبة سوداء” تحتاج إلى من يمتلك الجرأة لفتحها بالكامل. فبين اتهامات بتضارب المصالح وارتفاع أسعار الأدوية، وبين نفي الوزير “المرتبك”، يظل حق المواطن في دواء عادل وشفافية في التدبير هو الضحية الأكبر. الكرة الآن في ملعب البرلمان والحكومة: إما محاسبة علنية وشفافة، وإما ترسيخ لمنطق “التستر والتواطؤ” في قطاع حيوي كقطاع الصحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى