سياسة

زلزال الداخلية يضرب الإدارة الترابية: إعفاءات “ما بعد اللقاءات التشاورية” رسالة حزم وتطهير شامل

في سابقة لافتة خارج الأجندة التقليدية، أطلقت وزارة الداخلية “حركة تصحيحية” مفاجئة وغير مسبوقة في صفوف رجال السلطة مع نهاية شهر نونبر 2025، لتكسر قاعدة الحركة الانتقالية التي كانت تُجري عادة بعد عيد العرش. هذه الإعفاءات والتغييرات، التي طالت مستويات مختلفة بدءاً من القواد في الأقاليم وصولاً إلى مستويات إدارية أعلى، تُعد الرد العملي الأول للداخلية على نتائج “اللقاءات التشاورية” التي أطلقتها مؤخراً، والتي يبدو أنها كشفت عن “واقع مرّ” واختلالات مهنية متراكمة على المستوى الترابي.

توقيت غير مسبوق ورسائل واضحة

لقد أظهرت اللقاءات التشاورية، التي استهدفت تقييم الأداء ومقاربة القضايا التنموية، عن وجود تقاعس مهني وتغاضٍ غير مبرر من قبل عدد من رجال السلطة عن ملفات حساسة ومزمنة. هذا الاستدراك السريع من قبل وزارة الداخلية، وتحريكها لآلية التغيير قبل نهاية العام، يؤكد على:

  1. المحاسبة الفورية: القطع مع ثقافة التأجيل، حيث لم تعد الوزارة تنتظر المناسبات الرسمية لتصحيح الأخطاء، بل باتت المحاسبة مرتبطة بـ نجاعة الأداء اللحظي.

  2. استخلاص العبر من التشاور: أن الهدف من اللقاءات التشاورية لم يكن مجرد تسجيل الملاحظات، بل هو تمهيد لعملية “تطهير شاملة” تهدف إلى ضخ دماء جديدة والتخلص من العناصر المعيقة للتنمية.

الناظور نموذجاً: ضربة قوية في قلب الإدارة المحلية

شهد إقليم الناظور، خلال الساعات الأخيرة، مثالاً صارخاً على هذا التشدد غير المسبوق في التعاطي مع الاختلالات. فقرار عامل الإقليم بإعفاء ثلاثة قيّاد دفعة واحدة في ملحقات إدارية حساسة بسلوان وأزغنغان وبني أنصار، ليس حادثاً معزولاً، بل هو رسالة واضحة لا تقبل التأويل بأن التراخي في تطبيق القانون وتدبير الشأن العام لم يعد مقبولاً.

هذه الإعفاءات المتتالية تُظهر أن المجهر الأمني والإداري بات مسلطاً بشكل مكثف على المتقاعسين، خاصة في ملفات “الشغب الإداري” التي تؤرق المواطن والسلطات المركزية على حد سواء، ومن أبرزها:

  • ملف البناء العشوائي: التغاضي عن خروقات التعمير مقابل نسج علاقات مشبوهة مع منتخبين أو متنفذين، وهو ما يساهم في فوضى المجال.

  • فوضى الباعة الجائلين: التقاعس عن تنظيم الأسواق والفضاءات العامة، مما يساهم في انتشار الفوضى المرورية والبصرية.

تفكيك “المتاريس البشرية” وإعداد للمستقبل

تُعد هذه الحركة التطهيرية خطوة استباقية تستعد من خلالها الداخلية لتنزيل مرحلة ما بعد اللقاءات التشاورية التي ستتطلب سرعة في الأداء وحكامة في التدبير، وأيضاً استعداداً أنجع للاستحقاقات القادمة التي تنتظر المغرب، وعلى رأسها الإنتخابات التشريعية و تنظيم الأحداث الكروية الكبرى (الكان 2025 والمونديال 2030).

هناك العديد من الولايات والعمالات التي تحتاج إلى “تحريك المياه الراكدة”، حيث يواجه الولاة والعمال الجدد تحديات جسيمة تتمثل في وجود “متاريس بشرية” داخل الإدارة الترابية نفسها، وهي عبارة عن مناصب ومسؤولين يحاصرون القيادات الجديدة ويمنعونها من فهم النفوذ الترابي الحقيقي و عدم الإقتراب من النافذين واختراق شبكات التقاعس والفساد. إن الهدف من هذه الحركة هو تفكيك هذه المتاريس “المعمرة” والدفع بكفاءات قادرة على الإنجاز والمساءلة،و كان والي مراكش هو من قاد عملية تفكيك “المتاريس”.

يُنتظر أن تستمر موجة التغيير لتشمل مستويات أخرى، معلنة بذلك عن دخول الإدارة الترابية عهداً جديداً يتسم بتغليب المصلحة العامة، والقطع مع أي شكل من أشكال التراخي، وجعل رجل السلطة شريكاً حقيقياً في التنمية وليس مجرد متفرج أو متغاضٍ عن الاختلالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى