زلزال إداري بشفشاون: عامل الإقليم يضرب بيد من حديد ويوقف نحو 20 عون سلطة في سابقة غير مسبوقة لترسيخ ربط المسؤولية بالمحاسبة

باشرت عمالة إقليم شفشاون، تحت إشراف مباشر من عامل الإقليم زكرياء حشلاف، خلال الأيام القليلة الماضية، واحدة من أقوى الحملات الإدارية التي عرفها الإقليم منذ سنوات، أسفرت عن توقيف ما يقارب 20 عون سلطة من درجات ورتب مختلفة، بعد تقارير تفتيش دقيقة كشفت اختلالات مهنية جسيمة وأخطاء في تدبير المهام الإدارية داخل عدد من الدوائر والملحقات الترابية.
وحسب معطيات موثوقة، فإن هذه القرارات لم تكن وليدة رد فعل ظرفي، بل جاءت عقب افتحاصات داخلية معمقة رصدت مظاهر تقصير، وضعفًا في تنزيل المسؤوليات، واختلالات في مواكبة شؤون المواطنين، ما عجل باتخاذ إجراءات تأديبية وُصفت بـ”الصارمة وغير المسبوقة”، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تخليق المرفق العام وربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء أو تهاون.
مصادر مطلعة أكدت أن عامل إقليم شفشاون تعاطى مع هذه الملفات بمنطق إداري مؤسساتي خالص، بعيدًا عن أي اعتبارات جانبية أو حسابات ضيقة، مشددة على أن التوقيفات تندرج ضمن مساطر إدارية قانونية، ولا علاقة لها بأي خلفيات أمنية أو توظيفات خارج إطار الإصلاح الإداري، والغاية الأساسية منها هي إعادة الانضباط لجهاز السلطة المحلية والرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
هذه “الضربة الإدارية”، التي اعتبرها متابعون سابقة في تدبير الشأن الترابي بالإقليم، أعادت إلى الواجهة نقاشًا عميقًا حول حدود المحاسبة داخل الإدارة الترابية، وضرورة أن تكون شاملة ومتوازنة. فبينما يشيد الرأي العام المحلي بجرأة القرار وصرامة العامل زكرياء حشلاف، يطرح فاعلون تساؤلات مشروعة حول ضرورة توسيع دائرة المساءلة لتشمل مختلف مستويات القرار والتوجيه والتتبع، حتى لا يُفهم الإصلاح على أنه استهداف للحلقة الأضعف فقط.
ويرى مهتمون بالشأن الإداري أن الاقتصار على توقيف أعوان السلطة، دون موازاة ذلك بفتح ملفات المسؤولين عن التأطير والمراقبة والتقييم، قد يفرغ مبدأ المحاسبة من عمقه الإصلاحي، ويمنح انطباعًا بأن الإجراءات التأديبية تُستعمل أحيانًا كصمام لامتصاص الاحتقان، بدل أن تكون مدخلًا حقيقيًا لمعالجة أعطاب التدبير من جذورها.
ومن الزاوية المؤسساتية، تقع مسؤولية ضمان نزاهة المساطر التأديبية واستكمالها بشكل عادل على عاتق والي الجهة وعامل إقليم شفشاون على وجه الخصوص، مع ضرورة إشراك المصالح المركزية كلما استدعت حساسية الملفات ذلك، تفاديًا لأي تأويل قد يمس بمصداقية الإصلاح أو يفتح الباب أمام شبهة الانتقائية.
ومع ذلك، يجمع متتبعون على أن ما أقدم عليه عامل الإقليم يشكل رسالة واضحة مفادها أن زمن التساهل قد ولى، وأن الإدارة الترابية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانخراط الجدي في ورش الإصلاح، عبر محاسبة متدرجة تبدأ من مراكز القرار وتمتد إلى منفذي التعليمات، وفق معايير شفافة تربط المسؤولية بحجم الصلاحيات والاختصاصات الفعلية.
إنها خطوة قوية قد تؤسس لمرحلة جديدة في تدبير الإدارة الترابية بشفشاون، عنوانها الصرامة، والانضباط، والقطع مع منطق الإفلات من المسؤولية، في أفق إدارة مواطِنة تضع خدمة المواطن فوق كل اعتبار، وتترجم فعليًا التوجيهات الملكية السامية إلى ممارسة يومية ملموسة.






