ثقافة

رمضان.. مدرسة التقوى وميثاق التكافل: قراءة في فلسفة الصيام وأبعاده الإنسانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، نحمده ونشكره، ونستعينه، فهو الذي جعلنا من المسلمين، وإخوة في الدين، وخير أمة أخرجت للناس أجمعين، وأمرنا بصيام شهر رمضان، وجعل الصوم حصنا لأوليائه وجنة، وفتح لهم به أبواب الجنة.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين، وخير الخلق أجمعين، من أرسله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، وأنزل عليه القرآن الكريم يهدي للتي أقوم، وصلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الصالحين المخلصين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في هذه الأيام المباركة من شهر رمضان أدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، لكل ما يفعله ويقدمه للمسلمين بصورة عامة، وللمسلمين بالبوسنة والهرسك بصورة خاصة، لأن أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني يخدم الإسلام والمسلمين، ويعمل على أن يشع نور الإسلام من هذا البلد العزيز، كما يبذل كل جهده وطاقته حتى لا ينطفئ نور الإسلام في البوسنة والهرسك.
وأنتهز هذه الفرصة السعيدة بأن أوجه الشكر الجزيل إلى جلالة الملك، كما أوجه شكري إلى شعبه المغربي العظيم داعين من الله سبحانه وتعالى أن يعيد عليه هذا الشهر العظيم وعلى شعبه بالمنى والرفاهية، وعلى مسلمي البوسنة والهرسك بالنصر القريب، والسلام العادل.
أما بعد،
في هذا الشهر المبارك، شهر الصبر والتوبة، شهر بدإ الوحي والرؤيا الصادقة، أنزل القرآن الكريم، يقول سبحانه وتعالى :”شهر رمضان الذين أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان”، ويقول سبحانه وتعالى :”إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر”.
ومعنى نزول القرآن نزول رسالة الرحمة العامة، الرحمة بكل العوالم، فإن الله سبحانه وتعالى قد حدد سبب الرسالة الإسلامية، وحدد أساسها وغايتها، أما هدفها فإنه الرحمة.
يقول سبحانه وتعالى :”وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
ولقد سمى القرآن الكريم الليلة التي نزل فيها القرآن : ليلة القدر، أي ليلة الشرف والرفعة ووصفها بأنها مباركة.
يقول الله سبحانه وتعالى :”إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم”.
وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم فإننا نجد أنه لم يحددها، ولم يحددها الرسول صلى الله عليه وسلم تحديدا تاما، وإنما حددها على التقريب، أي أمرنا أن نلتمسها في العشر الأواخر من شهر رمضان، ولقد رآها كثير من الصحابة في السبع الأواخر من رمضان، ويحددها أبي بن كعب، وابن عباس رضي الله عنهما، وكثير غيرهما بأنها ليلة السابع والعشرين.
والمحاولات في سبيل تحديد ليلة القدر كثيرة وطريفة :
منها مثلا ما قال بعضهم : من أن عدد كلمات سورة القدر ثلاثون كلمة كعدد أيام رمضان، وكلمة “هي” التي تشير إلى ليلة القدر في قوله سبحانه وتعالى في السورة نفسها :”سلام هي” هذه الكلمة تمام سبعة وعشرين.
هذه محاولة.
ومحاولة أخرى، هي : أن حروف ليلة القدر تسعة حروف، وقد ذكرت ليلة القدر في السورة ثلاث مرات، وثلاثة في تسع تساوي سبعة وعشرين.
أما فضلها فإنه عظيم، ففيها نزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وفي فضلها نذكر بعض الأحاديث:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : دخل رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إن هذا الشهر حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم”. صدق رسول الله.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”.
وتقدم في رواية لمسلم قال : “من يقم ليلة فيوافقها – إيمانا واحتسابا – غفر له ما تقدم من ذنبه”.
ثم ليلة القدر هي سلام من أولها حتى مطلع الفجر :”سلام هي حتى مطلع الفجر” ومن أجل ذلك كانت خيرا من ألف شهر، وألف شهر هي : ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، وذلك عادة عمر الإنسان، فهي خير من عمر الإنسان، من عمر كل إنسان في الماضي وفي المستقبل – أي أنها خير من الدهر.
وفي هذه الليلة يكثر المؤمن من الاستغفار، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، وأنواع الذكر، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما أحب لنفسه، ولعائلته، ولأحبابه، ولأمة المسلمين جمعاء، أحياء وأمواتا. ويصدق بما تيسر له، ويحفظ جوارحه عن المعاصي.
وقيل : من صلى المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظ وافر من ليلة القدر، ومن صلى العشاء في جماعة فكأنما قام شطر الليل، فإذا صلى الصبح في جماعة فكأنما قام شطره الآخر.
وقد ورد:”من قال لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ثلاث مرات، كان كمن أدرك ليلة القدر، فينبغي الإتيان بذلك كل ليلة”.
وليلة القدر هل هي حقا ليلة تفتح فيها أبواب السماء لإجابة الدعاء؟
نعم، بدون شك، إنها ليلة تفتح فيها أبواب السماء لإجابة الدعاء للموعودين، والموعودون هم الذين استجابوا لله سبحانه وتعالى، فاستجاب الله لهم، وهم الذين استقاموا كما أمروا، وهم الذين أسلموا وجوههم إليه، فتكفل بهم.
إن هؤلاء إذا سألوا الله أعطاهم، وإذا استعاذوا به أعاذهم، ومن أجل هذا الفضل العظيم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد نفسه للعبادة، ويهيئ الجو الروحي المناسب لنزول الملائكة والروح، وكذلك الجو المناسب للسلام القلبي الذي هو ثمرة التوبة والإنابة والتقوى، والذي هو اطمئنان النفس إلى الله، فيخاطبها سبحانه وتعالى خطابا تفهمه:”يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك” في هذه الدنيا وفي الآخرة، “راضية مرضية فادخلي في عبادي” عاجلا “وادخلي جنتي” آجلا.
وهي ليلة يكون فيها انتشار الروحانية بقراءة القرآن والصلاة والذكر، وتنزل فيها الملائكة طائفة طائفة لزيارة الذاكرين.
عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كوكبة من الملائكة، يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى.
ويقول سبحانه وتعالى :”إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن وأوليائكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم”.
فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بصيام شهر رمضان مصداقا لقوله في كتابه الكريم :
بسم الله الرحمن الرحيم :”يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون” صدق الله العظيم.
ومعنى الصيام “الكف عما أمر الله بالكف عنه فهو ربع الإيمان بمقتضى قوله صلى الله عليه سلم :”الصوم نصف الصبر” و”الصبر نصف الإيمان” صدق رسول الله.
يتحدث المسلمون عن صيام رمضان، وفضائله، وفوائده وحكمة مشروعيته، منذ أن فرضه الله تعالى إلى الآن.
لكننا نعرف ونصدق كل التصديق بأن الصوم متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر العبادات إذ قال الله تعالى فيما نقل عنه نبيه صلى الله عليه وسلم :”كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به”.
فقد جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب لأنه صلى الله عليه وسلم أخبرنا وهو – كما قال سبحانه وتعالى :”ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى” قال الرسول صلى الله عليه وسلم :”والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح السمك”.
ويقول الله عز وجل :”إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه لأجلي فالصوم لي وأنا أجزي به”.
وقال صلى الله عليه وسلم “للجنة باب يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون، وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزاء صومه”.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :”للصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه”.
الهدف الوحيد لكل مؤمن هو لقاء ربه، وهذا اللقاء يتحقق عن طريق الصوم.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :”لكل شيء باب وباب العبادة الصوم”.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال :”إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين، ونادى مناد يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر”.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في الصائم: “يقول الله عز وجل :”انظروا ملائكتي إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي”.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :”إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين، وفي رواية لمسلم : فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين”.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب : وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين”.
وفي رواية للنسائي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :”إن الله فرض صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه” صدق رسول الله.
وكلمة “إيمانا واحتسابا” يعني نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق، والرغبة في ثوابه، طيبة به نفسه، غير كاره له، ولا مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم أطول أيامه لعظم الثواب.
إن الله فرض الصوم تهذيبا للنفس، وتصفية للروح، فالمؤمن قد يخطئ، لكن عليه إذا أخطأ أن يتوب إلى رشده، وإذا زلقت قدمه فكبا فعليه أن ينهض من كبوته، ثم يستأنف طريقه إلى غايته المنشودة، لهذا يلتمس الله للمخطئ عذرا على خطيئته، ويحثه على طلب المغفرة المؤدي إلى محاسبة النفس، ومراقبة الله التي تحيي موات الضمير.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :”أنا نبي التوبة”، وهذا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيش في جو مستمر من التوبة. فباستطاعة أي إنسان أن يتوب إلى ربه مباشرة، نادما طالبا المغفرة، ليفتح الله بابه ويمنحه رحمته وعفوه.
قال الله تعالى :”ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما”.
والمغفرة يمنحها الله لكل من تاب وأناب إليه، قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم :”قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم”.
فهذه الآية الكريمة من أعظم الآيات (فرحا لنفسية المؤمن) لأنها تفتح باب الرجاء على مصراعيه، فيجعل عمل الخير تكفيرا للمخطئ، وفي ذلك ما فيه من الحث على عمل الخير.
قال الله سبحانه وتعالى :”إن الحسنات يذهبن السيئات”.
الصائم لا يكثر النوم بالنهار، وإنما يكثر – ليلا ونهارا – من الدعاء والاستغفار، ويعمل للدنيا والآخرة، قال الله تعالى :”وابتع فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك” صدق الله العظيم.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :”من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله، ومن طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء”.
قال الله تعالى :”قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا”.
فالصوم عمل صالح لأن الغني يحس بألم الجوع، فيحسن إلى الفقير، وبذلك يتم العطف والمودة، وينشأ عنهما تماسك المجتمع وسعادته.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت صاحب هذا القبر يقول : من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها (أي حتى قضى له أمره) كان خيرا من اعتكاف عشر سنين”.
والصالحون، وإن كانوا يتوبون إلى الله تعالى دائما، ويرجعون إليه في اليسير من أمرهم، والعظيم منه، فإنهم يبدأون شهر رمضان بتجديد العهد مع الله سبحانه وتعالى بالتوبة الخالصة النصوح وبالأمانة، وقد قال صلى الله عليه وسلم :”إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته”. ولما تلا قوله عز وجل :”إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها” وضع يده على سمعه وبصره فقال : “السمع أمانة والبصر أمانة”.
فصوم الصالحين ليس صوما عن الطعام والشراب فقط، وإنما هو كف الجوارح عن الآثام، كغض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره، وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله سبحانه وتعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنة الله عليه، فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه”.
وروى جابر عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : خمس تفطر الصائم : الكذب، والغيبة، والنميمة، واليمين الكاذب، والنظر بشهوة، فإذا تحققت التقوى بالصوم، فقد تحققت القيم الروحية التي أحبها الله سبحانه وتعالى للصائم.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إنما الصوم جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم إني صائم”.
وفي هذا الحديث الشريف يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي للصائم، وهو أن يكون صومه جنة، أي وقاية عن إهمال ما أمر الله به، ووقاية عن إتيان ما نهى الله عنه.
إنه وقاية عن ذلك في القول، فإنه ينبغي للصائم ألا يتحدث بأسلوب لا يحبه الله سبحانه، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : “فلا يرفث”، و”لا يجهل” معناه : أن لا يتعد حدود الفعل الذي أحبه الله، وأن لا يفعل أفعال الجاهلية.
شهر رمضان هو شهر عظيم، فحينما كان يهل شهر رمضان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في المسلمين ويبين لهم فضل هذا الشهر المبارك.
فعن سلمان رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان قال :”يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيامه تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سوه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبة من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء.
قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو على شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار فاستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما :
فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم : فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه.
وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكما عنهما : فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار. ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى دخل الجنة”. (رواه ابن خزيمة في صحيحه).
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.
وفي هذا الحديث الشريف ربط بين رمضان والقرآن وكثرة الصدقة، والواقع أن كثرة الصدقة في رمضان هي دليل الواضح على أن الصوم وقراءة القرآن ثمرة من ثماره المرجوة.
قال الله سبحانه وتعالى :”ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير” صدق الله العظيم.
والرجل الذي يتصدق بصدقة فلم تعلم شماله ما أعطته يمينه، يدخل في نطاق السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله.
وعن أبي موسى الأشعري، قال ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”عن كل مسلم صدقة، قالوا، فإن لم يجد؟ قال فليعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدق، قالوا :فإن لم يستطع؟ أو لم يفعل؟ قال : فيعين الحاجة الملهوف، قالوا : فإن لم يفعل؟ قال : فيأمر بالخير” قالوا : فإن لم يفعل؟ قال : فليمسك عن الشر، فإنه له صدقة. (متفق عليه).
الصدقة في الجو الإسلامي تفيد المتصدق أكثر مما تفيد الآخر، ذلك أن فائدتها للآخذ تكاد تكون فائدة مادية وحسب، أما بالنسبة للمعطي فإنها تفيده في الدنيا وتفيده في الآخرة، أما فائدتها في الدنيا فإن الله سبحانه وتعالى يخلف عليه لا بالمثل فحسب بل أضعافا مضاعفة.
ويقول الله سبحانه وتعالى :”وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه”.
والصدقة دواء من المرض، يقول صلوات الله عليه :”داووا مرضاكم بالصدقة”.
إن الصوم هو الوسيلة الفعالة لإحياء ضميرنا ووعينا تجاه المسلمين في أي بلد أو في أي أرض كانوا، فالمسلمون بالبوسنة والهرسك مثلا جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، فهم يدافعون بدمائهم عن أنفسهم وعن دينهم الإسلامي الحنيف، وفي نفس الوقت يدافعون عن كرامة المسلمين في كل أنحاء العالم، وإن كان العدو يهدم المساجد ويقتل الأئمة والوعاظ، والشيوخ والأطفال والنساء، فالمناضلون في البوسنة والهرسك لا يفعلون بالمثل، ولا يفعلون أي شيء حرم الله فعله، أي لا يهدمون الكنائس، ولا يقتلون، ولا يشردون العجائز والنساء والأطفال من بيوتهم.
فهذا الشهر المبارك هو موسم من أنسب المواسم للذكر، والدعاء، والتوبة، والاستغفار وإعطاء الصدقة.
إن الله سبحانه وتعالى لا يرد دعاء الصائم، لذا لا بد أن يكثر من الدعاء والتوبة، والاستغفار وإعطاء الصدقة وكل أعمال الخير.
وفي ختام هذه الكلمة البسيطة ندعو الله سبحانه وتعالى بالكلمات التي كان يدعو بها الرسول صلى الله عليه وسلم :
“اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر”.
آمين يا رب العالمين، والله يوفقنا أجمعين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى