قضايا

دار الوفاء بفاس.. حين تتحول رعاية الأطفال إلى جريمة إنسانية

هزّت صور صادمة من داخل مؤسسة “دار الوفاء” بمدينة فاس مشاعر المغاربة، بعدما كشفت واقعًا مريرًا يعيشه أطفال يُفترض أنهم تحت رعاية الدولة والمجتمع. الفيديو الذي انتشر بشكل واسع، وصوّره أحد النزلاء، أظهر قاعة أكل بدون كراسي، طاولات مكسورة، أواني متّسخة، جدران متشققة، وسقف آيل للسقوط، في مشهد لا يمت بأي صلة لمكان يُفترض أنه يوفر الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية والرعاية الاجتماعية.

المؤسسة التي تُشرف عليها جمعية محلية تُعد نموذجًا فجًّا لانهيار منظومة الرعاية الاجتماعية، حيث يتقاطع الإهمال الإداري مع سوء التسيير، في غياب تام لأي مراقبة حكومية جادة. والغريب أن الجمعية ذاتها تنصلت من المسؤولية بالادعاء أن المقطع يعود إلى “دار المستقبل” المجاورة، بينما تؤكد شهادات محلية أن المؤسستين تخضعان لنفس التدبير وتعيشان نفس الانهيار.

ما ظهر في دار الوفاء ليس حالة معزولة، بل يعكس مأساة حقيقية تتكرر في مؤسسات الرعاية بمختلف مناطق المغرب، حيث تنهار الخدمات الأساسية، وتُهدر الميزانيات، وتُنتهك حقوق الأطفال بشكل يومي. شهادات حقوقيين مثل إلهام بلفليحي وعبد الإله الخضري أكدت أن ما يجري هو نتيجة لسياسات الإهمال، حيث تتحول دور الرعاية إلى واجهات كاذبة لا هدف لها سوى تجميل صورة الدولة أمام الكاميرات، بينما الواقع يسير نحو الكارثة.

لا دعم نفسي، لا تأطير تربوي، لا إشراف صحي، ولا احترام لأدنى معايير الكرامة. أطفال في عمر الورد يُعاملون وكأنهم عبء، يُرمون في مراكز مهترئة تُنتج جيلاً محطمًا، مرشحًا إما للتشرد أو الانحراف. لا أحد يحاسب، ولا أحد يُسائل، بينما الحكومة تواصل التغني بشعارات “الدولة الاجتماعية” في وقت لا تجد فيه هذه الطفولة المتخلى عنها حتى كرسيًا للجلوس أو غطاءً للنوم.

إن ما جرى في فاس ليس مجرد حادث عرضي، بل جريمة مؤسساتية مكتملة الأركان. جريمة في حق الطفولة، في حق الوطن، وفي حق مستقبل مجتمع بأكمله. وإذا لم يُفتح تحقيق عاجل، شفاف، مع ترتيب المسؤوليات والمحاسبة، فسنستمر في إنتاج دور رعاية لا تخرج منها إلا مآسي جديدة وقصص بؤس لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى