خطاب الانفصال عن الواقع.. أخنوش يعيد إنتاج “مسار الإنجازات” ويُفشل في قراءة دفتر مطالب “جيل زيد”

مسار الترحال بين الأعيان والأثرياء: حينما يصر رئيس الحكومة على تجاهل صرخة الهوامش ومعاناة الشعب
الرباط – في ظل استمرار الأزمة المعيشية وتفاقم تحديات الصحة والتعليم، استأنف رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، محطات ما يسميه “مسار الإنجازات”، متبنياً نهجاً يرى فيه المراقبون السياسيون إصراراً غريباً على تجاهل الواقع وفشلاً ذريعاً في استيعاب الرسائل القاسية التي وجهتها إليه حركة الاحتجاجات الشبابية الأخيرة المعروفة بـ**”جيل زيد”**.
إن عودة أخنوش إلى هذا المسار، الذي انطلق من الداخلة بحشد مكثف من الأعيان والأثرياء وعمال ضيعاتهم ومعاملهم، ومر بمحطات مثيرة للجدل، تؤكد أن الحكومة لم تستخلص العبر من “الفصل الأول” من الغضب الشعبي الذي دوى في الشوارع.
شهدت المدن المغربية موجة احتجاجات واسعة طالبت برحيل الحكومة، وهي الاحتجاجات التي كشفت عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والتجربة المعيشية للمواطن. كانت هذه التعبيرات الشبابية جرس إنذار سياسي لا يمكن تجاوزه رغم أنه خلف ضحايا في الأرواح ، إلا أن تعامل رئيس الحكومة معه يوحي بـ**”الإنكار السياسي”** والتجاهل المتعمد:
- صمت على صرخة مراكش: اضطر مسار “الإنجازات” للتوقف في مدينة مراكش بسبب الشعارات القوية التي طالبت برحيل الحكومة، والتي ارتبطت مباشرة بـتدهور كارثي في قطاعي الصحة والتعليم وتردي الأوضاع الاجتماعية. بدلاً من التوقف للمراجعة العميقة، استأنف أخنوش الرحلة فور انحسار الموجة.
- تكرار الوصفة الفاشلة: استئناف المسار يتم بنفس الأسلوب: حشود مُعدّة مسبقاً، خطاب يعتمد على الأرقام والوعود المستقبلية، بدلاً من الاعتراف بـفشل معالجة أزمات الحاضر (كأزمة المحروقات، غلاء الأسعار، وتدني الخدمات).
في محطة بني ملال، والتي سبق أن أثيرت حولها انتقادات تتعلق بسوء التعامل مع الرموز الوطنية، عاد أخنوش ليؤكد أنه يريد “الإنصات للمواطنين”. هذا التصريح يُعد مفارقة سياسية بامتياز:
التناقض الصارخ: المواطنون لم يصمتوا لكي “يُنصت” إليهم رئيس الحكومة الآن. لقد قالوا كلمتهم بوضوح تام في الساحات والشوارع وشبكات التواصل الاجتماعي، وكانت رسالتهم: نطالب بتحسين ظروف العيش ومحاربة الفساد. تجاهل هذه الرسائل القوية ثم الدعوة مجدداً لـ”الإنصات” هو شكل من أشكال الهروب إلى الأمام، وتأكيد على أن الحكومة تفضل سماع الأصوات المُنتقاة والمُوجّهة على صوت الغضب الحقيقي.
إن الخطر الأكبر في هذا “المسار الانفصالي” هو أنه يعكس عدم فهم عميق لـتحديات الهوامش والمناطق القروية. ففي الوقت الذي تعاني فيه مناطق كخنيفرة من أزمة ماء وطرق تدفع بالأمهات لقطع مسافات طويلة احتجاجاً، وتتصاعد فيه الاتهامات بـهدر المال العام في مشاريع تنمية الريف والمناطق الجبلية (حيث يُشار بأصابع الاتهام إلى “صندوق العالم القروي والمغرب الأخضر”)، يصر أخنوش على التركيز على أرقام المشاريع الكبرى دون معالجة الفساد المستشري في التدبير المحلي:
- أين تذهب الميزانيات؟ إن غياب الشفافية في ملفات تنمية العالم القروي يشكل معضلة أساسية، وتجاهل المطالبة بمساءلة المنتخبين المتورطين في تدهور البنية التحتية يرسل إشارة سلبية حول جدية الحكومة في مكافحة الفساد.
- “مسار الإنجازات” أم “مسار الأعيان”؟ استمرار هذا النهج يؤكد أن رئيس الحكومة يراهن على دعم الفئة الثرية والمقربة، بدلاً من بناء قاعدة دعم شعبية عبر تحسين الخدمات وتوزيع الثروة بشكل عادل.
إن لم يستوعب عزيز أخنوش درس “جيل زيد” وصرخة الأمهات المظلومات في الأرياف، فإن “مسار الإنجازات” سيبقى مجرد فقاعة إعلامية منفصلة عن نبض الشارع، مما قد يمهد لـ**”الفصل الثاني”** الأكثر حدة في المواجهة بين الحكومة والمواطنين.






