سياسة

حين تغيب اليقظة ويستشري التراخي: وزارة الداخلية تفتح باب التجديد لقطع دابر سلطة الإتكالية

لم يعد خافيًا على أحد أن جزءًا غير يسير من رجال السلطة فقدوا، خلال السنوات الأخيرة، كثيرًا من الفعالية والهيبة المرتبطة بوظيفتهم، في وقت يُفترض فيه أن يكون ممثل وزارة الداخلية في الصفوف الأمامية لليقظة والاستنفار وخدمة الصالح العام. واقع ميداني مقلق يكشف، في أكثر من منطقة، عن تراخٍ واضح في أداء الواجب الوظيفي، حيث بات من المألوف أن يُرصد بعض رجال السلطة جالسين في المقاهي خلال أوقات العمل، أو متأخرين عن الالتحاق بالإدارة، تاركين فراغًا إداريًا قاتلًا تتحمل الساكنة تبعاته اليومية.

الأخطر من ذلك، أن فئة من هؤلاء عَمّرت طويلًا في المناصب نفسها، وربطت مع مرور الوقت علاقات متشابكة مع منتخبين وأعيان وتجار، ما أفقدها مسافة الحياد، وأضعف قدرتها على فرض القانون والقيام بدورها التحكيمي والرقابي. في المقابل، توجد فئة أخرى لا تبالي أصلًا بالإدارة الترابية، وتترك أعوان السلطة يفعلون ما يشاؤون، دون توجيه أو مراقبة، في خرق صريح لروح المسؤولية التي يُفترض أن تحكم هذا الجهاز الحساس.

أمام هذا الوضع، يبرز اليوم مطلب ملحّ بضرورة “تزيار السمطة” والقطع مع كل أشكال التراخي، خصوصًا وأن وزارة الداخلية، بقيادة وزير معروف بصرامته، مطالَبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة الاعتبار لجهاز يُعد ركيزة أساسية في علاقة الدولة بالمواطنين. فممثل الداخلية يجب أن يكون أول من يتمتع باليقظة، والحضور الميداني، والمتابعة الدقيقة لكل صغيرة وكبيرة، لا موظفًا غائبًا أو متواطئًا بالصمت أو العلاقات.

المغرب اليوم لا يحتاج إلى أطر “لا يهمها الأمر”، بل إلى رجال سلطة أقوياء، ميدانيين، متحركين، يعرفون النفوذ الترابي الذي يشرفون عليه شبرًا شبرًا. ومن غير المقبول أن يعمّر مسؤول، صغيرًا كان أو كبيرًا، في مدينة أو جماعة، دون أن يعرف أحياءها، أو مشاكل ساكنتها، أو نبضها اليومي. هذا الخلل البنيوي هو ما جعل الكثيرين يجمعون على أن جهاز رجال السلطة فقد جزءًا مهمًا من فعاليته، وأن استرجاعها لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل.

في هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية رسميًا عن فتح باب الترشيح للتعيين في هيئة رجال السلطة، في خطوة تروم تعزيز الموارد البشرية بالإدارات الترابية وسد الخصاص المسجل بعدد من العمالات والأقاليم ومقاطعات المدن الكبرى، خاصة عقب موجة من الإعفاءات والتنقيلات التأديبية التي همّت عددًا من القواد بمختلف جهات المملكة.

ويأتي هذا الإجراء، وفق مراسلة رسمية وُجّهت إلى الولاة والعمال، في إطار تفعيل المقتضيات القانونية المؤطرة لهيئة رجال السلطة، وبهدف إعادة هيكلة الإدارة الترابية وضمان نجاعتها في مواكبة التحولات التنموية والأمنية التي تعرفها البلاد. وقد شددت الوزارة على أن عملية التعيين ستهم موظفي وزارة الداخلية، وفق معايير دقيقة، تشمل اجتياز اختبارات نفسية وتقنية، ومقابلات شفوية، ثم متابعة تكوين خاص بالمعهد الملكي للإدارة الترابية.

وأكدت المصالح المركزية على الانتقاء الصارم والشخصي، مع إعطاء الأولوية للكفاءة المهنية، وحسن السلوك، والانضباط، والقدرة على تحمل المسؤولية، بالنظر إلى حساسية المهام الموكولة لرجال السلطة ودورهم المحوري في تنزيل سياسات الدولة على المستوى المحلي.

كما ربطت مصادر مطلعة هذا الورش بحالة الخصاص البنيوي التي تعرفها بعض القيادات والباشويات، خصوصًا بعد تقارير للمفتشية العامة أسفرت عن إعفاءات وتنقيلات تأديبية بسبب اختلالات في التدبير أو تقصير في أداء الواجب أو تجاوزات في تطبيق القانون.

الرسالة اليوم واضحة: لا مكان لسلطة المقاهي ولا للمسؤول الغائب. المرحلة المقبلة تتطلب تحركًا فعليًا للولاة والعمال من مكاتبهم، ونزولًا ميدانيًا دائمًا إلى المدن والقرى، لإعادة ربط الإدارة الترابية بنبض المواطنين. فهذه الإدارة، التي يعوّل عليها المغاربة في كثير من شؤونهم اليومية، مطالَبة باسترجاع قوتها وفعاليتها هنا والآن، حتى تظل فعلًا إحدى ركائز الدولة وضامنًا للاستقرار والثقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى