حوار اجتماعي بلا توقيع: هل دخلت الحكومة والنقابات مرحلة المراوحة؟

خلافًا لما جرى في جولة أبريل من العام الماضي التي تُوِّجت بتوقيع اتفاق 29 أبريل 2024، اصطدمت جولة الحوار الاجتماعي لأبريل 2025 بجدار الملفات العالقة، لتخرج من دون اتفاق مركزي جديد، في وقت كانت فيه التطلعات كبيرة نحو اتفاق يعزز مكاسب الشغيلة ويمنح دفعة جديدة لمسار الحوار الاجتماعي في المغرب.
فشل الجولة الحالية لم يكن مفاجئًا للنقابيين، بل كان نتيجة منطقية لتأخر الحسم في ملفات حساسة، ظلت موضوع أخذ ورد بين الطرفين. مصادر نقابية كشفت ل “فاس24” أن المفاوضات لم تسفر حتى عن تحديد جدول زمني دقيق لمعالجة القضايا الخلافية، ما يعكس نوعًا من التراخي أو عدم وضوح الرؤية لدى الحكومة، أو على الأقل، تأجيلاً مقصودًا لحسم القضايا الكبرى لما بعد فاتح ماي، الذي يُعد موعدًا رمزيا للحراك العمالي في العالم.
ورغم هذه النتيجة المخيبة، تم تسجيل اتفاق مبدئي بشأن إطلاق مفاوضات تخص فئتين مهمتين في القطاع العام: المتصرفين والمهندسين، حيث تم تكليف وزارتي الميزانية والوظيفة العمومية ببدء التفاوض مع النقابات حول وضعيتهما، وهو ما يمكن اعتباره خطوة محدودة الأثر ما لم تُرفَق بإجراءات ملموسة تهم الفئات الأخرى، خاصة في قطاعي التعليم والصحة.
الحكومة من جهتها، حاولت عبر بلاغ رسمي لرئيسها عزيز أخنوش، التخفيف من وقع إخفاق الجولة، مشيرة إلى أن النقاش كان “مسؤولًا” وأن التزامات اتفاقي أبريل 2022 و2024 لا تزال قيد التنزيل، مع تقديم حصيلة تنفيذ بعض مضامين الاتفاقين السابقين.
وفي تطور يُحسب للجولة، تم الإعلان عن التوافق على تشكيل لجنة وطنية لإصلاح أنظمة التقاعد، وهي خطوة حيوية بالنظر إلى هشاشة النظام التقاعدي الحالي وغياب العدالة بين مكوناته. غير أن هذا الإعلان يبقى خطوة إجرائية أولى، ما لم تُترجم أعمال اللجنة إلى إصلاح حقيقي يراعي العدالة الاجتماعية ويؤمن مستقبل المتقاعدين، في ظل مؤشرات مقلقة حول استدامة الصناديق.
التوترات القطاعية، من جانبها، ظلت تفرض نفسها على مجريات الحوار، حيث أشار رئيس الحكومة إلى ضرورة ترسيخ انتظامية الحوار داخل القطاعات الوزارية. وقد تم بالفعل إصدار منشور حكومي يوصي بمواصلة هذه الحوارات، مع التزام رئيس الحكومة بمتابعة نتائجها شخصيًا. لكن تجارب السنوات الماضية تُظهر أن هذه الدعوات لا تكون كافية دون إرادة سياسية قوية وضغط نقابي منظم.
الملاحظ أن الحوار الاجتماعي في المغرب، رغم المظاهر الشكلية للاجتماعات الدورية والبلاغات التوافقية، بات يُعاني من أزمة عمق. فبين جمود بعض الملفات، وغياب الالتقائية بين ما يُطرح على الطاولة وما يُنفذ فعليًا، تبدو العملية وكأنها تحوّلت إلى تمرين سياسي أكثر منها آلية فعلية لتحسين شروط الشغل وتعزيز العدالة الاجتماعية.






