“الفراقشية”: حرب الأرقام والأوصاف تشعل معركة سياسية حامية الوطيس! و أخنوش يرد على مروجي الكذب !
في أول تعليق ناري له على العاصفة السياسية التي أثارتها قضية “دعم الفراقشية”، انبرى رئيس الحكومة عزيز أخنوش من قلب مدينة الداخلة ليطلق سهام النقد اللاذع تجاه من وصفهم بـ “مروجي العبث والكذب” في العمل السياسي، مؤكدًا رفضه القاطع لـ “ترويج الإشاعات والأكاذيب” حول ملف دعم استيراد المواشي الذي فجر بركانًا من الخلافات بين الأغلبية والمعارضة.
حدة الاتهامات تصاعدت بعد مطالبة الأغلبية بتشكيل مهمة استطلاعية عوضًا عن لجنة تقصي الحقائق، ليخرج الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله متهمًا الحكومة بـ “المكر” السياسي، مشددًا على أن مبادرة المعارضة لتشكيل لجنة تقصي الحقائق كان من الأولى أن تُقابل بروح إيجابية، طالما أن الهدف الأسمى هو الوصول إلى الحقيقة كاملة.
ولم يتوان أخنوش في توجيه سهامه نحو مسؤول سياسي ووزير سابق لم يكشف عن هويته، متهمًا إياه بـ “ترويج الكذب” في ملف الدعم الحكومي لاستيراد القطيع من الخارج، مستنكرًا الحملة التي يتعرض لها حزبه ومستغربًا من “تغليط الناس” من قبل مسؤول كان يفترض فيه التحلي بالمسؤولية.
تأتي هذه التصريحات في أعقاب اتهامات مماثلة أطلقها إدريس الأزمي، وزير الميزانية الأسبق، الذي زعم بـ “هدر” الحكومة لـ 13 مليار درهم في استيراد اللحوم الحمراء، مؤكدًا أن الإجراءات المتعلقة بالإعفاء الجمركي كلفت هذا المبلغ الضخم، ومشددًا على أن توجيه هذه الأموال لدعم الفلاحين الصغار والمتوسطين كان أولى لإعادة تكوين القطيع الوطني.
لكن رئيس الحكومة سارع إلى تفنيد هذه الأرقام، مؤكدًا أن الوزير السابق “لا يفرق بين 430 مليون درهم لدعم استيراد أضاحي العيد، وبين 1.300 مليار سنتيم التي ادعى أننا خصصناها للدعم”، معتبرًا أن ترويج الرقم الأخير “كذب أو مفاهمش، أو هما معا.. هذا في الحقيقة نوع من العبث لا يليق بالعمل السياسي”.
وفي محاولة لتهدئة هذا التضارب الصارخ في الأرقام، أعلنت وزارة الفلاحة أن كلفة دعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال عامي 2023 و 2024 بلغت 437 مليون درهم شملت 875 ألف رأس و 156 مستوردًا، لكنها أبقت الباب مواربًا حول الكلفة الإجمالية لباقي عمليات الاستيراد خارج هذه المناسبة.
وهكذا، انقسم مجلس النواب على نفسه بشدة حول الآلية البرلمانية الأنسب للتحقيق في هذا الملف الشائك، فبينما تتشبث فرق المعارضة بمطلب تشكيل لجنة تقصي الحقائق لكشف المستور، ترى فرق الأغلبية أن مهمة استطلاعية ستكون كافية لتنوير الرأي العام وكشف “المغالطات” التي تروج لها المعارضة، على حد تعبير محمد شوكي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار.
شوكي لم يتوان هو الآخر في انتقاد ما وصفها بـ “أحكام قيمة” تطلقها المعارضة ضد الحكومة “دون أدلة”، مؤكدًا أن ملف دعم الاستيراد “منتهٍ” بالنسبة للأغلبية بعد “توضيحات مستفيضة” قدمتها الحكومة خلال مناقشة قانون المالية لسنة 2025.
وأضاف شوكي بلغة الأرقام: “13 مليار درهم هو مجموع ما تحمّلته ميزانية الدولة، ويتعلق الأمر هنا بالتدفقات المالية وغير المالية. والإجراء الذي اتخذته الحكومة، من خلال الإعفاء من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة لاستيراد الأغنام والأبقار، كان يهدف إلى تخفيف الأعباء المالية. فهذه الـ 13 مليار درهم تمثّل مجموع التحملات المالية التي كانت ستستفيد منها الدولة في الظروف العادية، مثل الرسوم الجمركية التي تم تعليقها لحماية القطيع الوطني. وكان من الضروري أن تتخذ الحكومة هذا الإجراء لضمان وصول الأضاحي إلى المواطنين بأسعار معقولة”.
وشدد شوكي على أن “ما تم تداوله بأن الحكومة منحت 13 مليار درهم للمستوردين ليس صحيحًا، بل إن المبلغ الذي تم دعم المستوردين به فعليًا هو 437 مليون درهم فقط. أما الحديث عن أن الحكومة أعطت 13 مليار درهم، فهذا تضليل للرأي العام”، متهمًا المعارضة بـ “ركوب” هذا الموضوع بشكل “مغرض” و”نشر المغالطات” بهدف خلق “بوز سياسي” و”استغلال هذا الملف لإثارة الجدل وتضليل الرأي العام، في إطار نوع من التنفيس الحزبي لمكونات المعارضة”.
وهكذا، تستمر فصول هذه المعركة الكلامية الحادة، تاركة الرأي العام في حيرة من أمره أمام سيل الأرقام المتضاربة والاتهامات المتبادلة، بينما يبقى السؤال معلقًا: من يملك الحقيقة في ملف “دعم الفراقشية”؟ وهل ستنجح الآلية الرقابية التي سيقررها البرلمان في كشف الغموض وتقديم إجابات شافية؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذه التساؤلات.






