حرب صامتة داخل الإدارة الجبائية.. الضرائب تُضيّق الخناق على سماسرة “الكيتوس” والمراجعات المشبوهة

دخلت المديرية العامة للضرائب مرحلة تشديد غير مسبوقة في مراقبة مساطر المراجعة الجبائية، بعد رصد تحركات شبكات منظمة تنشط في السمسرة داخل محيط بعض الشبابيك الضريبية بعدد من المدن الكبرى، مستغلة حاجات المقاولات والمهنيين إلى تسوية وضعياتهم الجبائية.
وحسب معطيات متطابقة، فعّلت مصالح الضرائب آليات المراقبة الداخلية والتتبع، عقب تقارير وصفت بـ”الحساسة”، تحدثت عن وسطاء يروجون لقدرتهم على “التدخل” لتخفيض مبالغ مراجعات ضريبية مرتفعة، أو تسريع الحصول على شواهد إبراء الذمة الجبائية، مقابل عمولات مالية مهمة، وذلك عبر التحايل على المساطر أو الادعاء بوجود علاقات داخل الإدارة.
هذه التطورات دفعت قسم المراقبة الداخلية ومكافحة الغش الضريبي إلى فتح تحقيقات معمقة في ملفات مراجعة وُصفت بالمشبوهة، بسبب مؤشرات على تجاوزات إجرائية وعدم احترام التعليمات المركزية. كما جرى التدقيق في ملفات تخص مهنيين، خاصة من فئات المهن الحرة، بعدما أبانت المنظومات الرقمية لتبادل المعطيات مع الإدارات الشريكة عن تفاوتات دقيقة في التصريحات والمستحقات.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن شبكات السمسرة توسعت في نشاطها عبر اختراق محيط مكاتب خبرة محاسباتية، واستعمال أسماء مسؤولين وموظفين كوسيلة للإقناع، من أجل تقديم وعود كاذبة لمقاولات وأرباب مهن حرة بتخفيض المبالغ المفروضة، أو رفع حجوزات عن حسابات بنكية وممتلكات. وقد أدى ذلك إلى فتح ملفات قضائية، بعد لجوء متضررين إلى المحاكم إثر اكتشاف تعرضهم للنصب والاحتيال.
في سياق متصل، أظهرت الأرقام الرسمية قفزة لافتة في مداخيل التحصيل القسري، التي بلغت أزيد من 5.5 مليارات درهم، مسجلة ارتفاعا يفوق 20 في المائة خلال سنة واحدة، وهو ما يعكس نجاعة المقاربة الجديدة للإدارة الجبائية، القائمة على الاستهداف الذكي للمدينين، وتوسيع الاعتماد على الرقمنة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات.
وتواصل المديرية العامة للضرائب إخضاع معاملات منجزة وأخرى قيد الإنجاز لعمليات افتحاص دقيقة، مع التركيز على علاقات بعض الخبراء المحاسباتيين بمراقبين ضريبيين، ومدى احترام مساطر التصريحات التصحيحية والتواصل الإلكتروني، في إطار تقليص الاحتكاك المباشر مع الملزمين.
كما باشرت المصالح المختصة إجراءات احترازية، شملت فرض حجوزات وقائية على حسابات بنكية لمقاولات أنهت مساطر مراجعتها الجبائية، تفاديا لأي محاولة لتهريب أموال مستحقة للخزينة. وتؤكد المعطيات أن بعض “السماسرة” تخصصوا في تقديم وصفات للتهرب من أداء المراجعات، عبر استغلال الثغرات القانونية ومساطر الطعون، غير أن تشديد المراقبة الرقمية بات يضيّق الخناق على هذه الممارسات.
الرسالة التي تبعثها الإدارة الجبائية اليوم واضحة: لا تساهل مع السمسرة، ولا مجال للمساومة خارج القانون، في معركة تهدف إلى حماية المال العام وترسيخ مبدأ العدالة الجبائية.






