سياسة

حرب الروايات في المغرب.. حين تخسر الحقيقة معركتها أمام ضعف تواصل الحكومة وصناعة التضليل

نعيش اليوم مرحلة سياسية غير مسبوقة يتداخل فيها الاحتقان الاجتماعي مع الضجيج الرقمي وحروب التأثير الخفية. مرحلة لم تعد فيها الحقيقة معيارًا للواقع، بل أصبحت الرواية الأقوى تواصليًا هي التي تكسب العقول والمواقف. وبين حكومة عاجزة عن الدفاع عن منجزاتها، ومعارضة تتقن صناعة الضبابية، وأغلبية سياسية ابتلعت لسانها، وجد الرأي العام نفسه أمام فوضى خطابية تخلط بين النقد المشروع والتضليل الممنهج.

هذه ليست مرحلة عادية يمكن فيها التلويح بالحياد أو الاختباء خلف الشعارات. المعركة اليوم ليست صراعًا على قرارات حكومية فقط، بل معركة أخطر: معركة وعي يلتبس فيها الحق بالباطل، ويصبح فيها السكوت خيانة للحقائق، لا وقارًا سياسيًا.

رغم كل الضجيج، لا يمكن إنكار أن السنوات الأخيرة شهدت أوراشًا اقتصادية واجتماعية كبرى في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبنية التحتية. غير أن المشكلة ليست في الإنجاز، بل في غياب العقل الاستراتيجي الذي يحمي هذا الإنجاز تواصليًا.

الحكومة اليوم تمتلك مشروعًا حقيقيًا لكنها تفشل في روايته للرأي العام. هي قضية عادلة يدافع عنها محام ضعيف. لغتها تظل تقنية، باهتة، باردة، بعيدة عن نبض الشارع. لم تفهم حتى الآن أن المعارك السياسية في عصر المنصات لا تُحسم بالبيانات الرسمية، بل بذكاء التأثير وقدرة الإقناع وإدارة الصورة الذهنية لدى الجمهور، خاصة الجيل الشاب.

في الجهة المقابلة، تعمل شبكات منظمة من خصوم الحكومة على إنتاج رواية بديلة تحاصر نجاحاتها وتضرب ثقة الناس في الدولة قبل الحكومة. يتم ذلك عبر تضخيم الاختلالات، تسويق الشائعات، نشر الانطباعات السوداوية، وتوجيه الغضب الشعبي نحو رئيس الحكومة عزيز أخنوش شخصيًا باعتباره “الهدف الأسهل” في هذه الحرب.

التضليل هنا ليس بريئًا ولا عشوائيًا. هو هندسة نفسية تستغل هشاشة الوضع الاجتماعي والاحتجاجات الأخيرة لإنتاج وعي سلبي قائم على العاطفة والغضب. بدل النقاش العقلاني والاقتراحات البديلة، يتم اللجوء إلى السخرية، الإثارة، التشويه، وتوجيه الجماهير نحو القطيعة مع المؤسسات.

الأخطر من هذا كله هو صمت أولئك الذين كان يفترض أن يدافعوا عن الحقيقة. نخب سياسية وأكاديمية وإعلامية تفضل مراقبة المشهد بصمت ثقيل، وبعضها شريك في التحالف الحكومي نفسه. هذا الصمت ليس حيادًا، بل انحياز سلبي يفتح الطريق أمام رواية التضليل لتصبح هي السائدة.

إن الإنجازات التي لا تجد من يرويها تتحول إلى فراغ، والفراغ يملؤه من يتقن لغة التأثير الرقمي. لذلك، لا يمكن اليوم اعتبار السكوت حكمة. السكوت أصبح خيانة للوعي العام.

المغرب لا يمر بأزمة قرارات، بل بأزمة خطاب. الصراع الحالي ليس بين حكومة ومعارضة فقط، بل بين من يريد بناء الدولة بمنطق العمل والإنجاز، ومن يسعى لتفكيك الثقة وضرب الاستقرار عبر التحكم في وعي الجماهير.

الحقيقة لا تموت، لكنها يمكن أن تُدفن تحت ركام الصمت والتضليل. ومن يملك الشجاعة السياسية اليوم هو من يقول كلمة حق لا مجاملة فيها: الوطن يحتاج رواية صادقة قبل أن يحتاج ميزانيات جديدة. لأن المعركة اليوم لا تُخاض في البرلمان أو الشارع فقط، بل في العقول أولًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى