سياسة

حرب “الاستطلاع” في البرلمان: هل يبتلع التكتل الحكومي “لجنة الحقيقة” حول دعم “الفراقشية”؟

في أروقة البرلمان ، حيث تُصاغ القوانين وتُراقب الحكومات، تدور رحى معركة من نوع آخر. ليست اشتباكات بالأيدي أو تراشق بالتصريحات النارية فحسب، بل حرب “استطلاعية” ضروس، عنوانها الظاهري البحث عن الحقيقة، وباطنها صراع محموم على النفوذ وتحديد موازين القوى. ففي خضم الجدل المتصاعد حول ملايير الدراهم التي ابتلعتها جيوب مستوردي الماشية تحت غطاء الدعم والإعفاءات الضريبية، انتفضت فرق المعارضة مطالبة بتشكيل “لجنة لتقصي الحقائق”، سيف مُصلت على رقاب المتورطين المحتملين، وكاشف للثغرات التي سمحت بتبديد المال العام دون أن ينعكس ذلك على جيوب المواطنين.

هذا التحرك الشجاع من جانب المعارضة، الذي أعاد للأذهان صلاحيات البرلمان الرقابية المغيبة، أشعل فتيل أمل لدى الرأي العام المتعطش لكشف المستور. لكن سرعان ما اصطدم هذا الأمل بجدار صلب بنته فرق الأغلبية، التي سارعت، في خطوة استباقية ومريبة، إلى إشهار ورقة “المهمة الاستطلاعية”. ساعات قليلة فصلت بين تلويح المعارضة بسلاح “لجنة الحقيقة” ورفع الأغلبية لراية “الاستطلاع”، في تكتيك يُنذر بتحويل المسار نحو تحقيق أقل حدة وأقل مساءلة.

لم تكن طريق المعارضة مفروشة بالورود. فلتشكيل لجنة تقصي الحقائق، تحتاج إلى جمع توقيعات ثلث أعضاء مجلس النواب، وهو تحدٍ ليس بالهين في ظل التحالف الحكومي المتماسك عددياً. هذا “الثلث المعطل”، كما يراه البعض، يُشكل أولى العقبات أمام إزاحة الستار عن خبايا هذا الملف الشائك.

لكن العقبة الأكبر تجسدت في رد فعل الأغلبية، الذي لم يتأخر في إطلاق “فزاعة التوظيف السياسي”، محاولاً بذلك نزع الشرعية عن مبادرة المعارضة وتصويرها كأداة للمزايدات الانتخابية القادمة. هذا الاتهام، الذي يفتقر إلى أي دليل ملموس، يهدف بوضوح إلى تشتيت الانتباه عن جوهر القضية وإجهاض أي محاولة جادة للمساءلة.

ومع كل هذه التعقيدات والتحديات، حققت المعارضة إنجازاً غير مسبوق، فقد استطاعت، بضربة معلم، أن تُوقع الحكومة في شرك الإحراج، وتكشف حجم الدعم السخي، بل والبذخي، الذي أغدقت به على مستوردي اللحوم والأضاحي، وغيرهم من المستفيدين في قطاعات أخرى. وكما صرخ بها مدوياً محمد أوزين، رئيس حزب الحركة الشعبية، فإن هذا الوضع يضع الحكومة، ولأول مرة، في قلب عاصفة من الانتقادات اللاذعة وسخط الرأي العام، لتجد نفسها في موقف لا تُحسد عليه، مُجردة من أي غطاء أو تبرير مقنع.

مناورة “الاستطلاع”: تخدير مؤقت أم بديل ناجع؟

في المقابل، قدمت فرق الأغلبية “المهمة الاستطلاعية” كبديل “أكثر واقعية وفعالية”. لكن، هل يمكن لمهمة استطلاعية، ذات طبيعة أقل إلزاماً وأقل قدرة على النبش العميق في الحقائق، أن تحقق نفس الأهداف التي تتطلع إليها المعارضة والرأي العام؟ الشكوك تحوم حول هذه النقطة. فبينما تملك لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة في الاستماع إلى الشهود والاطلاع على الوثائق، تبقى المهمة الاستطلاعية مجرد زيارة ميدانية وتقديم تقرير قد لا يرقى إلى مستوى محاسبة حقيقية.

هنا، يبرز التساؤل الحاسم: هل تسعى الأغلبية فعلاً إلى كشف الحقيقة، أم أنها تحاول امتصاص غضب الشارع وتأجيل المحاسبة عبر آلية أقل إزعاجاً؟ التاريخ البرلماني يشير إلى أن لجان تقصي الحقائق كانت نادرة ومحدودة التأثير، وهو ما يعزز المخاوف من أن تتحول هذه “الحرب الاستطلاعية” إلى مجرد تكتيك لربح الوقت وحماية المصالح.

دعوة إلى صحوة الضمير: نداء المعارضة لنواب الأمة

في خضم هذا الصراع المحتدم، وجه قادة أحزاب المعارضة نداءً مؤثراً إلى عموم نواب الأمة، داعين إياهم إلى تجاوز الانتماءات الحزبية الضيقة والانخراط في مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق. لقد شددوا على أن النواب هم ممثلون للشعب أولاً وأخيراً، وأن مسؤوليتهم تقتضي الوقوف في صف الحقيقة والمطالبة بالشفافية والمحاسبة، بغض النظر عن موقعهم في الخريطة السياسية.

وقد كان لافتاً تركيز المعارضة على نواب حزب الاستقلال، مستندة في ذلك إلى تصريحات أمينهم العام التي كشفت عن وجود فساد واختلالات في ملف الدعم. هذا التوجه يضع حزب الاستقلال أمام اختبار حقيقي لمصداقيته، فإما أن ينخرط نوابه بقوة في هذه المبادرة تأكيداً لخطاب قيادتهم، وإما أن يُتهموا بالتواطؤ مع الأغلبية وتخذيل الرأي العام.

“التغول” و”الافتراس”: صورة قاتمة للأغلبية

لم تتردد المعارضة في وصف الأغلبية الحكومية بأوصاف قاسية، وصلت إلى حد اتهامها بـ “التغول” و “الافتراس”، في إشارة واضحة إلى هيمنتها العددية واستغلالها لهذا الوضع لإجهاض أي محاولة للمساءلة الحقيقية. هذا التصعيد اللغوي يعكس عمق الأزمة وفقدان الثقة في قدرة الأغلبية على التعامل بشفافية مع هذا الملف الحساس.

الكرة في ملعب النواب: هل ينتصر صوت الشعب؟

في نهاية المطاف، تبقى الكلمة الفصل لنواب الأمة. هل سيستجيبون لنداء الضمير وينخرطون في مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق، مُعليين بذلك صوت الشعب ومطالبه بالشفافية والمحاسبة؟ أم سيخضعون لضغوط الأغلبية ويُفسحون المجال لمهمة استطلاعية باهتة قد لا تُسفر عن نتائج ملموسة؟

إن معركة “الاستطلاع” الدائرة رحاها في البرلمان ليست مجرد صراع سياسي عابر، بل هي اختبار حقيقي لمؤسسة تشريعية بأكملها. إنها فرصة لإعادة الاعتبار لدور البرلمان الرقابي وتأكيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أو أنها ستكون مجرد حلقة أخرى في مسلسل إفلات المتورطين من العقاب وتكريس ثقافة الريع والفساد. الأيام القادمة كفيلة بكشف المنتصر في هذه الحرب “الاستطلاعية” المصيرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى