
في المشهد السياسي المغربي، يتجسد جواد باحجي كأحد أبرز الأمثلة على التحديات التي تواجهها الكفاءات السياسية في ظل التوجه الحزبي للتجمع الوطني للأحرار. فقد مر هذا السياسي المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار بتجربة صعبة على مستوى مدينة مكناس، حيث تم الإطاحة به من رئاسة الجماعة، لتظل هذا الإقالة نقطة تحول في مسيرته. لكن المفاجأة التي أثارت الكثير من الجدل، هي عودته بقوة لشغل منصب سامي كمديرا عاما للمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية و بداية إنهاء فشله من الساحة السياسية عبر نافذة الحكومة، بدعم مباشر من عزيز اخنوش رئيس الحكومة و بتنزيل من وزير الفلاحة والصيد البحري، مما يطرح عدة تساؤلات حول المعايير التي تعتمدها الحكومة في اختيار من يشغلون المناصب السامية.
إقالة من رئاسة الجماعة: بداية النهاية أو بداية العودة؟
كان جواد باحجي يشغل منصب رئيس جماعة مكناس، إلا أنه تم الإطاحة به من هذا المنصب بسبب “بلوكاج ” و شبهات تتعلق بإدارة الجماعة مما جعل اكثر من 56 عضوا من المنتخبين سحب منه الثقة بعد ثلاث سنوات عجاف، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول قدراته الإدارية والسياسية. فكيف لمثل هذا الشخص أن يتمكن من إدارة إحدى أكبر وأهم المدن المغربية؟ هل كان هذا التعيين في البداية مجرد محطة لتكريس الوجود السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار في تلك المنطقة؟ أم أنه كان بداية لمرحلة فاشلة، إذ أن الجماعة التي كانت تحت إشرافه لم تحقق النجاح المأمول في مشاريع التنمية المحلية؟
العودة عبر نافذة الحكومة: إشارة إلى انتصار المحسوبية
على الرغم من الإقالة التي تعرض لها باحجي على المستوى المحلي، فإن الدعم الذي لقيه من وزير الفلاحة والصيد البحري أعاده إلى الواجهة السياسية بقوة. هذا الدعم يعكس أحد أوجه “المحسوبية” السياسية التي تنتهجها الحكومة الحالية، حيث يبدو أن المكافأة على الفشل المحلي تكون أحيانًا عبر المناصب السامية على المستوى الوطني، مما يعزز صورة “حزب الأحرار” كحزب يكتسح المناصب الكبرى ويحتكر المناسبات السامية، سواء في الحكومة أو المؤسسات الأخرى.
هل يستحق الفاشل منصبًا ساميًا؟
إعادة تعيين شخص تم إقالته بسبب فشله في تدبير شؤون مدينة كبيرة كمدينة مكناس إلى منصب حكومي سامٍ يُعد تناقضًا صارخًا مع مفهوم الكفاءة والجدارة. فبدلاً من أن تكون الإقالة بمثابة نهاية لمسيرته السياسية، يبدو أن الحكومة قد اختارت تكريس فشل باحجي عبر رفعه إلى منصب أكبر وأكثر تأثيرًا، في استجابة لاعتبارات سياسية ضيقة بدلًا من تحقيق المصلحة العامة. وبذلك، يثار السؤال: هل السياسة في المغرب مبنية على الكفاءة أم على الولاءات الحزبية والعلاقات الشخصية؟.
احتكار حزب الأحرار للمناصب السامية: ملامح الهيمنة السياسية
من خلال تصعيد جواد باحجي، الذي فشل في تدبير الشأن المحلي، يصبح من الواضح أن حزب التجمع الوطني للأحرار يسعى إلى احتكار المناصب السامية في الحكومة المغربية. فبعد أن أصبح الحزب يهيمن على العديد من الوزارات والمناصب الكبرى، يظهر أن الهدف ليس تحسين الأداء الحكومي بل تعزيز نفوذ الحزب بشكل أكبر في دوائر السلطة. هذه الممارسات تكشف عن استغلال المناصب لإرضاء الطموحات الحزبية والشخصية، بدلاً من التفكير في المصلحة العامة.
في النهاية، يعكس صعود جواد باحجي من الإقالة إلى منصب حكومي سامٍ صورة مأساوية للمشهد السياسي المغربي الذي يتمحور حول الترضيات الحزبية والمحسوبية بدلًا من الكفاءة والجدارة. إن ما يشهده المغرب من تعزيز الهيمنة السياسية لحزب التجمع الوطني للأحرار على حساب الكفاءات الفعالة، يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة الحكومة على تجاوز التحديات الحقيقية التي يواجهها المواطن المغربي، خصوصًا في ظل وجود مثل هذه الممارسات التي تُعزز من الانقسامات السياسية وتُضعف من الثقة في المؤسسات.






