مجتمع

“جبل من الإهمال”.. احتجاج آيت بوكماز يفضح سقوط المشاريع الحكومية ووزارة الداخلية تخمد الإحتجاجات

في مشهد صادم اختلط فيه التعب بالجليد، واحتجاج بالكرامة، خرجت ساكنة آيت بوكماز في إقليم أزيلال سيرًا على الأقدام، قاطعة عشرات الكيلومترات نحو مقر العمالة، في واحدة من أقوى رسائل الاحتجاج القادمة من “المغرب العميق” المنسي، تحت شعار: “طريق المعاناة نحو الكرامة”.

رسالة لم تكن تحتاج لتأويل. سكان أرهقهم الإقصاء التنموي، وأجبرهم غياب الخدمات الأساسية على التعبير بأجسادهم المتعبة، بعدما غاب الفعل الحكومي وتراجعت شعارات الدولة الاجتماعية إلى مستوى الوعود المؤجلة.

الاحتجاج الجماعي، الذي استمر لأيام، لم يجد في البداية سوى التجاهل الرسمي، قبل أن تسارع السلطات الإقليمية إلى تنظيم لقاء موسع مع ممثلين عن الساكنة. اللقاء الذي جرى بمقر عمالة أزيلال، برئاسة عامل الإقليم، انتهى بتفاهمات أولية حول بعض المطالب الاستعجالية، مثل توفير طبيب قار، تقوية شبكة الإنترنت، وتخفيف الأعباء الإدارية عن الأسر الجبلية، خاصة في ما يتعلق برخص البناء.

لكن الحقيقة الأعمق أن هذا التحرك جاء متأخراً، وفي غياب أي رؤية مركزية من الحكومة. مرة أخرى، تُترك وزارة الداخلية وسلطات العمال والولاة في خط الدفاع الأول أمام غضب اجتماعي يتصاعد مع كل تأخر أو خيبة.

الاحتجاج لم يكن مجرد ردة فعل على خدمات مفقودة، بل كشف عن اختلال أوسع في تعاطي السياسة الحكومية مع العالم القروي والمجال الجبلي. فالساكنة لم تطلب مشاريع عملاقة أو تحفيزات اقتصادية، بل فقط الحد الأدنى من شروط الحياة: طريق سالكة، طبيب، تغطية الإنترنت، وإنصات إداري دائم.

هذه المطالب، التي وُصفت بالمعقولة من طرف مسؤولين محليين، لم تكن لتحرّك الإدارة لولا وقع المسيرة الاحتجاجية وصداها الإعلامي. واقع يؤكد مرة أخرى أن الاستجابة لا تزال رهينة الضغط الميداني، لا التخطيط الحكومي الاستباقي.

الحكومة الحالية، التي رفعت شعار الدولة الاجتماعية، تجد نفسها اليوم عاجزة عن الوصول إلى عمق الجبل، حيث تتراكم المعاناة منذ عقود. ورغم مرور سنوات على إطلاق “برامج العدالة المجالية”، إلا أن نتائجها لا تزال غائبة في مناطق مثل آيت بوكماز، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحاجة والانتظار الطويل.

في المقابل، تضطر الإدارة الترابية إلى التفاعل تحت الضغط، عبر لقاءات إسعافية، ووعود تدريجية، وزيارات ميدانية تُرتب لاحقًا لإطفاء الغضب لا لاستباقه.

قصة آيت بوكماز ليست استثناء، بل نموذج متكرر لمناطق تعاني من إهمال مزمن، وتُترك للمصير الفردي في مواجهة صقيع الحاجة. وبينما تكتفي الحكومة بالتنظير، يتحرك المواطن في الميدان، سيرًا على الأقدام، حاملاً مطالبه على ظهره، نحو مراكز القرار التي لا تصل إليه.

اللقاء الذي أنهى المسيرة قد يُهدئ مؤقتًا، لكنه لا يُلغي السؤال الأكبر: أين الدولة الاجتماعية حين يحتاجها الجبل؟ وهل يكفي حضور السلطة الترابية وحدها لإنقاذ ما فشلت فيه الحكومة؟

الجواب، كما يبدو، ستكتبه احتجاجات أخرى قادمة، في أماكن أخرى، ما دامت السياسات تكرّس الصمت، وتترك الكرامة مرهونة بالمسير الطويل نحو أبواب مغلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى