مجتمع

تقرير يرصد فشل الحكومة في تنزيل ورش الحماية الإجتماعية

انتقد المرصد المغربي للحماية الاجتماعية سياسة الحكومة في تدبير ورش الحماية الاجتماعية، وتداخل العديد من القطاعات في تدبير هذا الورش، والارتباك على مستوى القوانين المعتمدة، بالإضافة إلى إقصاء المجتمع المدني من المشاركة خلال تنزيل هذا الورش واعتماد مقاربة أحادية وإقصائية، مما نتج عنه العديد من الاختلالات والصعوبات والتحديات التي تعرقل نجاح هذا المشروع.

وسجل المرصد اختلالات على مستوى الحكامة والمشاركة المجتمعية، حيث تم إحداث آليات وهيئات أخرى للحكامة، مما يشوش على منظومة الحكامة، حيث تتعدد القطاعات الحكومية المتدخلة (الصحة والحماية الاجتماعية/ الداخلية/ الأسرة والتضامن…)، بالموازاة مع خلق منظومة مؤسساتية في طور التشكل فوق القطاعات الوزارية المعنية، وصلاحيات إدارية ومالية كبيرة قد تتجاوز صلاحيات الفاعل السياسي (الوكالة الوطنية للسجلات؛ الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي؛ الهيئة العليا للصحة؛ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي..)، بالإضافة إلى الارتباك على مستوى المنظومة القانونية، والمشاكل البنيوية الناتجة عن غياب المشاركة المجتمعية على مستوى التفكير والتنزيل والتقييم، مع ضعف إشراك الهيئات المهنية في تنزيل مقتضيات سياسة الحماية الاجتماعية.

وأوضح التقرير، أن عملية التسجيل في السجل الاجتماعي الموحد شابتها العديد من الأخطاء والعراقيل، أسفرت عن ضعف وعدم فعالية استهداف بعض الفئات الاجتماعية، من قبيل العاملين في القطاع غير المهيكل، والعاطلين عن العمل والمعوزين والمسنين بدون دخل، بالإضافة إلى صعوبات على مستوى تحديد وضبط الفئات المؤهلة للاستفادة من نظام المساعدة الطبية وبقية برامج منظومة الحماية الاجتماعية، واعتماد قواعد معقدة لتحديد الأهلية بشكل تصعب معه دراسة طلبات الاستفادة أو تفعيل المراقبة البعدية للنظام، ثم الاختلالات التي لا زالت تشوب عمليات تصفية قاعدة المعطيات المعلوماتية للأسر، والتي أدت خلال سنتي 2023 و2024 إلى حرمان فئات واسعة من المواطنين من التمتع بالحقوق الاجتماعية والخدمات المجانية المكفولة بموجب الدستور.

منظومة قانونية مرتبكة

     ورصد تقرير المرصد تضخم النصـوص القانونية المنظمة للحماية الاجتماعية، والتي تعاكس الغرض من قانون الإطار الهادف إلى توحيد النصوص القانونية المؤطرة للموضوع وتوحيد عمل المؤسسات المتدخلة فـي المجال، بالموازاة مع ظاهرة التأخر في اعتماد بعض النصوص، القانونية المهيكلة والمؤسسة، ويتعلق الأمر أساسا بتعديل القانون المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، فضلا عن مراجعة حكامة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بخصوص تدبير مختلف أنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، كما سجل على المبادرة التشريعية للحكومة التركيز على إرساء آليات التنزيل، في حين لم يتم بعد تحديد تفاصيل المكونات الأخرى للإصلاح المنصوص عليها في القانون الإطار (توسيع الانخراط في أنظمة التقاعد وتعميم التعويضات عن فقدان الشغل)، حيث لم تتعد لحد الآن مرحلة التأطير القانوني وإرساء بعض آليات الحكامة الخاصة بها، وهذا ما يجعل المقاربة الحكومية لمسألة تمويل الحماية الاجتماعية قد تؤدي إلى حماية فئات مقابل إفقار أخرى، وقد تكون مشجعة لتبرير الدولة انسحابها من المجال الاجتماعي، وتكريس سياسات التخلي عبر مدخل إصلاح صندوق المقاصة.

    عاتب التقرير على الحكومة عدم إشراك المجتمع المدني خلال تنزيل سياسات الحماية الاجتماعية، حيث منذ الخطوات الأولى لإطلاق ورش الحماية الاجتماعية، سجل غياب المشاركة المجتمعية على مستوى النقاش العمومي والمدني حول دوافع ومحفزات الإصلاح وفلسفته والمعالم الكبرى والغايات الأساسية لسياسات الحماية الاجتماعية، كما سجل النقاش السياسي على مستوى البرلمان، اتجاها عاما نحو الإشادة والتنويه، جسدته لحظة المصادقة بالإجماع على مشروع قانون الإطار رقم 09.41 المتعلق بالحماية الاجتماعية، وهو التوجه الذي رافق إصدار غالبية النصوص التنظيمية المرتبطة بتفعيل الإطار القانوني للحماية الاجتماعية، كما يسجل غياب مساهمة الجماعات الترابية في تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، رغم نص الفصل 31 من دستور 2011 على مسؤولية الجماعات الترابية في الحماية الاجتماعية، وما أسنده الدستور للجماعات من وظيفة تنموية بالأساس، انطلاقا من سياسة القرب في تشخيص حاجيات المواطنين وتلبيتها، بالإضافة إلى مشاركتها للدولة في تنفيذ السياسات العمومية.

ضعف القطاع الصحي

  حسب التقرير، فقد عرف العرض الصحي الوطني فجوات كبيرة بين الطموح والإمكانيات المرصودة، مما يحد من فعالية نجاح ورش تعميم الحماية الاجتماعية، بسبب ضعف ميزانية وزارة والصحة والحماية الاجتماعية، التي تتراوح ميزانيتها بين 6 % و7 % من الميزانية العامة بدلا من 12 % الموصى بها من طرف منظمة الصحة العالمية، مثل دول أخرى (12.4 % بالأردن، و13.6 % بتونس)، كما أن  الإنفاق الصحي يبقى أقل من 6 % من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب سوء تدبير الموارد البشرية في قطاع الصحة العمومية، ما يجعل جزء من الموارد البشرية والبنيات والتجهيزات في حالة عطالة بينما جزء آخر تحت الضغط، وكذا نقص الأطر الصحية، حيث يقدر العجز بـ 32.000 طبيب و65.000 ممرض لتلبية احتياجات السكان وفقا لمعايير منظمة الصحة العالمية، فضلا عن التوزيع غير العادل للموارد البشرية بين المناطق.

تحميل الأسر العبء

    وأكد التقرير أن الأسر المغربية تتحمل تكلفة استفادتها من الخدمات الصحية، إذ تصل إلى 53.6 %، بما يعادل 802 درهم للفرد سنويا، كما تتحمل الأسر جزء مهما من النفقات الوطنية المخصصة لقطاع الصحة، إذ تقدر نسبة النفقات التي تتحملها بنحو 48.36 %، وهذه النسبة تتجاوز بشكل كبير النسبة المحددة من طرف منظمة الصحة العالمية، والتي يجب ألا تتجاوز 25 %.

تحديات وصعوبات

اعتبر التقرير أن منظومة الحماية الاجتماعية تواجه تحديات كبيرة، من أبرزها ارتفاع نسبة البطالة خلال سنة 2024، والتي بلغت 13.6 %، ليبلغ عدد العاطلين عن العمل مليونا و683 ألف شخص، مما يجعل البطالة تحديا واختبارا لمنظومة الحماية الاجتماعية بالنظر لكون العاطلين لا يحصلون على دخل قار يمكنهم من الخدمات الصحية بالجودة الكافية التي تضمن لهم حقهم في الحد الأدنى من العلاجات، وينضاف القطاع غير المهيكل إلى التحديات التي تواجه المنظومة الوطنية للحماية الاجتماعية، إذ يعتبر وصول الفئات التي تشتغل في هذا القطاع إلى نظام الضمان الاجتماعي الشامل، أمرا معقدا، نتيجة محدودية التوظيف الحكومي وبطء نمو التوظيف في القطاع الخاص النظامي.

وأضاف التقرير، أن تزايد عدد السكان وارتفاع نسبة الشيخوخة، هي من التحديات الديمغرافية التي تلاحق المنظومة الوطنية للحماية الاجتماعية، حيث من المتوقع أن تتزايد نسبة الشيخوخة في الهرم السكاني في أفق عام 2050، إذ تشير توقعات المندوبية السامية للتخطيط، إلى أن عدد الأشخاص المسنين سيرتفع من 4 إلى 10 ملايين نسمة في عام 2050، خاصة وأن المنظومة الوطنية للحماية الاجتماعية تأمل استقطاب جميع الأشخاص المستهدفين، وخاصة الفئات القادرة على الوفاء باشتراكاتها، وهو ما يطرح تحدي تحقيق توزان نظام التأمين الإجباري عن المرض الخاص بفئة المهنيين والعمال المستقلين، والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا، وذلك في ظل ضعف نسبة استخلاص الاشتراكات المستحقة، التي لا تتعدى 27 % موازاة مع ضعف نسبة المستفيدين مفتوحي الحقوق والتي لا تتجاوز 13 %.

توصيات هامة 

  في ظل الاختلالات والإكراهات والصعوبات التي تواجه منظومة الحماية الاجتماعية، قدم المرصد مجموعة من التوصيات والاقتراحات للمساهمة في مراجعة المشروع، عبر تعزيز الإرادة السياسية لدى الحكومة، والعمل على إعادة الثقة في المؤسسات واحترام أحكام الدستور، والحوار والمشاركة لجميع مكونات المجتمع المدني في تصميم السياسات العمومية للحماية الاجتماعية.

وأوصى المرصد بمراجعة الترسانة القانونية لكي تلائم المعايير الدولية وتضمن التنمية المجتمعية، ومراجعة القانون الإطار للحماية الاجتماعية من منطلق الملاءمة مع الإطار المعياري الدولي، لخلق توازن بين ضمان الحقوق المكتسبة ونجاعة الاستهداف وشموليته، وتعديل معايير وشروط التسجيل في السجل الاجتماعي الموحد للاستفادة من الدعم الاجتماعي وتوسيع قاعدة المستفيدين من منح الشيخوخة، وإدراج الحماية من البطالة ضمن مشمولات الحماية الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى