صحة

تقرير وسيط المملكة يكشف أعطاب المنظومة الصحية: حكامة مرتبكة… وخدمات تقتل الثقة قبل أن تعالج المرض

في تشخيص صارم وواقعي، وضع تقرير حديث لمؤسسة وسيط المملكة اليد على مكامن الخلل في المنظومة الصحية المغربية، مؤكداً أن المرفق الصحي أصبح الفضاء الأكثر وضوحاً لقياس اختلالات قطاع تتردد الحكومات المتعاقبة في إصلاحه إصلاحاً حقيقياً. التقرير لم يكتفِ بوصف الوضع، بل اعتبر أن رداءة الخدمات الصحية تتحول في كثير من الحالات إلى سبب مباشر في فقدان الأرواح وتآكل الثقة في نظام يفترض أنه يحمي صحة المواطنين بدل أن يفاقم هشاشتهم.

بنيات تُبنى… وخدمات تتراجع

ورغم اعتراف التقرير بأن المغرب يشهد تحسناً في وتيرة بناء وتجهيز المؤسسات الصحية، إلا أنه يبرز مفارقة صارخة: الاستثمار في البنيات لا ينعكس على جودة الخدمة. فالمريض – حسب الوسيط – ما يزال يصطدم بواقع يَسائل حكامة المرافق الصحية وقدرتها على تدبير الموارد، وتوزيعها، وضمان عدالة الولوج إليها.

ثلاث جهات تستحوذ… والمغرب الصحي بسرعتين

التقرير يكشف استمرار تمركز البنيات الصحية في ثلاث جهات فقط: الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي، في حين تُترك جهات أخرى في مواجهة خصاص مهول في الأطر والتجهيزات. هذه الفوارق تتضاعف حين يتعلق الأمر بالفارق بين العالم القروي والحضري، ما يجعل الحق في الصحة مرتبطاً أكثر بالخريطة الجغرافية للمواطن لا باحتياجاته الصحية.

الاستقبال… أول اختبار للكرامة

الوسيط لم يتردد في التأكيد على أن الولوج إلى المرفق الصحي يبدأ من لحظة استقبال المريض، وهي اللحظة التي تكشف غالباً أولى مظاهر الارتباك. التقرير دعا إلى اعتماد معايير موحدة في التدبير: تشوير واضح، فضاءات استقبال لائقة، تنظيم الصفوف، وتحديد المواعيد بشكل يقلص زمن الانتظار. كلها إجراءات يراها التقرير ضرورية لـمحاربة الرشوة والمحسوبية التي تتسلل من بوابة الفوضى.

الفئات الهشة… ضحايا مضاعفون

وشدد التقرير على أن النساء، الأطفال، الأرامل، والأشخاص في وضعية إعاقة ما يزالون يواجهون صعوبات كبيرة في الولوج إلى الخدمات الصحية، رغم أن الاتفاقيات الدولية تجعل صحة الأم والطفل أولوية مطلقة. التقرير اعتبر أن تخلف النساء عن الاستفادة من الخدمات الصحية لم يعد مقبولاً إطلاقاً.

نزيف الأطر الطبية… أزمة تتفاقم

أكبر ما يضرب المنظومة الصحية في العمق، حسب التقرير، هو النقص المهول في الموارد البشرية. الأرقام صادمة:

18 مهني صحة لكل 10 آلاف نسمة فقط سنة 2022

الحكومة تتعهد بالوصول إلى 45 مهني صحة بحلول 2030

لكن بين الأهداف والواقع يقف حاجز قوي: هجرة الأطباء. فمقابل 23 ألف طبيب يمارسون في المغرب، هناك بين 10 آلاف و14 ألف طبيب مغربي يمارسون بالخارج. هذه الفجوة تجعل النظام الصحي في حالة استنفار دائم.

التقرير يربط ذلك أيضاً بضعف التحفيزات، هشاشة ظروف العمل، وتوزيع جامد لعرض التكوين الذي ما يزال متمركزاً في محور الرباط–الدار البيضاء–مراكش.

الحل؟ حكامة حقيقية… لا شعارات

الوسيط شدد على أن المنظومة الصحية لن تنهض إلا بوضع نظام حكامة فعال ينسق بين كل الفاعلين، يضمن استغلالاً أمثل للموارد البشرية، ويعيد جاذبية المهنة للعاملين فيها. الإصلاحات – كما جاء في التقرير – إن لم يشعر المواطن بآثارها بشكل ملموس، ستظل مجرد شعارات معلقة وعرضة للتعثر والتوتر الاجتماعي.

التقرير يقدم رسالة واضحة:

لا يمكن بناء منظومة صحية قوية ببنيات إسمنتية فقط، بل بحكامة، وعدالة، وموارد بشرية مؤهلة ومحفزة.

فبدون ذلك، ستظل المنظومة الصحية دائرة مغلقة من الأعطاب المتناسلة… والمواطن هو من يدفع الثمن كل يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى