سياسة

تقرير : رؤساء الجهات و المشاريع المفقودة و الاتفاقيات الجاهزة تساهم في عرقلة تنزيل الجهوية الموسعة

“من السهل القيام بنسخ الاتفاقيات في دورات الجهة، والذي لا يتطلب إلا 5 دقائق، بينما توفير إمكانيات لهذه الاتفاقيات يعتبر أمرا صعبا، وحتى لا نسقط في العبث فإن الإنجاز يتطلب إمكانيات، كما أن الشركاء يتفاجؤون بالاتفاقيات ويرفضون المساهمة فيها لأنهم لم يخبروا بها”.

الكلام في الفقرة أعلاه ليس لمعارض من داخل إحدى الجهات أو لمواطن عادي، بل هو لوالي جهة بني ملال – خنيفرة، خطيب الهبيل، في أخر دورة للجهة، والتي لقن من خلالها درسا كبيرا لرئيس جهة كان يفترض أن يكون أكثر حرصا على تنفيذ ما تم التعهد به في علاقته بالمواطنين، دون انتظار من وال معين سلطته في الأصل تتمثل في المواكبة وليس القيام بالأدوار المنوطة بالمنتخب.

الكثير من رؤساء الجهات والذين لا يعدو أن يكونوا رؤساء من ورق، يحولون دورات المجالس الجهوية التي يبني عليها المواطنون أحلاما كثيرة لتحقيق التنمية إلى ما يشبه الفولكلور، يستعرضون فيها عبر الدعاية ما يعد إنجازا، لكنه في الواقع ليس إلا كما وصفه الوالي لهبيل، نوع من العبث الذي لا يتطلب سوى خمس دقائق مع القليل من التصفيق تحت مسمى الاجماع.

وليست الوزارة الوصية على الداخلية من تنبه إلى هذا الضياع الكبير من الوقت والجهد الذي لا يؤتي نتيجة في عمل الجهات بل حتى المنتخبين أنفسهم يحذرون من هذا الأمر، وهو ما أكدته معارضة جهة كلميم وادنون، حيث تمت برمجة عدد من المشاريع والاتفاقيات الجديدة دون أن ترى البرامج السابقة طريقا للتنفيذ لعدم توفر الجهة على الإمكانيات المالية الكافية لتنزيل هذا البرنامج.

فأين الخلل؟ ثمة شبه إجماع في المغرب على الدور الذي يمكن أن تلعبه الجهوية في التنمية، لكن من خلال تمرين 2015 أو تمرين 2021، يتضح أن الأحزاب لم تقدم ما كان ينتظر منها لتنزيل ورش يرى الكثيرون أنه كان سيغير شكل النظام السياسي المغربي.

فإذا كان خطاب 9 مارس 2011 التاريخي بامتياز لما لحقه من إصلاحات كبرى في المغرب على المستوى الدستوري، فإن ملك البلاد اختار وقتها أن يبدأه “بالدعوى للشروع في المرحلة الموالية، من مسار الجهوية المتقدمة، بما تنطوي عليه من تطوير لنموذجنا الديمقراطي التنموي المتميز، وما تقتضيه من مراجعة دستورية عميقة، نعتبرها عمادا لما نعتزم إطلاقه من إصلاحات جديدة شاملة، في تجاوب دائم مع كل مكونات الأمة”، وهو ما نتج عنه التجربتين الانتخابيتين لـ2015 وبعده 2021.

الخطاب كان واضحا عندما ربط الجهوية بالإصلاح الدستوري، والذي “يهدف إلى تحديث وتأهيل هياكل الدولة”، حسب الملك والذي دعا وقتها إلى “تخويل رؤساء المجالس الجهوية سلطة تنفيذ مقرراتها، بدل العمال والولاة”.

إن تكريس البعد الجهوي وتعزيز الحكامة الجيدة في التدبير الجهوي يتطلب، استكمال الترسانة القانونية والتنظيمية للجهة والسعي إلى تكريس ممارسة الجهة وفقا لإطارها القانوني واختصاصاتها الذاتية والمشتركة.

استكمال لابد أن يراعي تذليل العقبات أمام الإدارات والقطاعات الحكومية للانخراط في المشاريع التنموية الجهوية التي جاء بعا القانون التنظيمي 14-11 والملاءمات التشريعية والتنظيمية.

إن تفعيل ممارسة الجهة لاختصاصاتها بحاجة إلى المزيد من الجهد حتى تتملك الجهات الاختصاصات الذاتية والمشتركة في إطار التعاون والتوازن بين المؤسسات على المستويين القصير والمتوسط. أما على مستوى الميزانيات فإن الأمر يتطلب تشجيعا للتمويل الذي تعرفه الهندسة الدستورية من ميزانيات قطاعية إلى ميزانية ترابية ذات نفس اقتصادي وتنموي.

أما على مستوى المواد البشرية فإن تنزيل ورش الجهوية المتقدمة يتطلب توفر الجماعات الترابية بما فيها الجهة على موارد بشرية كفؤة، تتميز بالنزاهة وروح المواطنة، وهو ما يتطلب تقوية قدرات الأطر الحالية وتعزيزها بموارد بشرية جديدة كلما أمكن ذلك، بالإضافة إلى الحاجة إلى الكفاءات القانونية والاقتصادية والتقنية وغيرها وتثمينها من خلال التكوين المستمر.

و على مستوى الموارد المالية فهناك حاجة ضرورية لمراجعة النظام الجبائي الذي يمكن من الرفع التدريجي من المواد الذاتية للجهة، مع ما يتطلب ذلك من تبسيط وتحيين الجبايات المحلية والسماح باللجوء إلى الشراكة بين الجهات وباقي الجماعات الترابية بهدف الاستغلال الأمثل للوسائل وتوفير خدمات ذات جودة عالية بدعم ومواكبة من القطاعات التقنية التابعة للدولة.

لذلك يبدو من الملائم مراجعة مراحل الإعداد للميزانيات التي تتولى الحكومة الاشراف على إعدادها بحيث تغير مقاربة في هذا الاتجاه من مقاربة قطاعية إلى مقاربة ترابية تساعد على التنفيذ السليم للمشروع الجهوي الذي يقوم أساسا على مبدأ التدبير الحر والتعاون بين السلط وتوازنها وعلى الديمقراطية المواطنة والتشاركية في ضوء ما يكفله القانون التنظيمي من اختصاصات للجهات ومجالسها.

وبناء عليه يتعين وضع سياسات عمومية جهوية مدعومة بإجراءات تقنية وقرارات تستهدف التنمية الاقتصادية في مشمولاتها سواء في دعم المقاولات وإنعاش الشغل وجلب الاستثمار والانعاش الاقتصادي والاجتماعي أو في المجالات المرتبطة بالتكوين المهني والمستمر سواء ذلك الذي يستهدف المنتخب أو كوادر الإدارات بمختلف مستوياتها أو تلك التي تتعلق بمؤسسات المجتمع المدني وشركاء الجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى