قضايا

تقرير: انهيارات فاس يفتح جراح “أحزمة البؤس” وتصعيد سياسي يفاقم أزمة الساكنة

تقرير خاص: فاس24

تحولت ليلة الجمعة الدامية التي شهدها حي الحسني بمدينة فاس، إثر انهيار بناية سكنية أودى بحياة عشرة أشخاص وجرح سبعة آخرين، إلى ساحة لتراشق الاتهامات السياسية وتصاعد غضب الساكنة المهمشة. فبينما لا يزال شبح الانهيارات يخيّم على عشرات العمارات الآيلة للسقوط في الحي والأحياء الهامشية الأخرى، تحولت جلسة مساءلة برلمانية إلى مواجهة حادة بين فريق حزب العدالة  التنمية  المعارض وكاتب الدولة المكلف بالتعمير.

فقد اتهم ممثلو فريق [ حزب العدالة و التنمية ] بمجلس النواب، خلال جلسة مساءلة أمس، الحكومة بالتقصير وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية ساكنة الأحياء المهددة بالانهيار. ووجهوا سهام النقد بشكل خاص إلى كاتب الدولة المكلف بالتعمير، الذي رد بدوره محملاً المجلس الجماعي السابق لمدينة فاس، الذي كان يترأسه [ إدريس الأزمي]، مسؤولية عدم تفعيل قرار إفراغ الساكنة المهددة بالخطر منذ عام 2018.

وتعيد هذه الاتهامات المتضاربة إلى الواجهة ملفاً شائكاً ومعقداً تعاني منه مدينة فاس منذ عقود. فمع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، بدأت تظهر أحياء هامشية مثل حي بنسليمان وغيرها، لتتحول تدريجياً إلى بؤر لتكاثر البناء العشوائي والمباني المغشوشة التي تفتقر إلى أدنى معايير السلامة.

في المقابل، لم تقف الساكنة المكتوية بنيران الخوف والترقب مكتوفة الأيدي. فقد صعّدت من احتجاجاتها، حيث نظمت زوال أمس مسيرة شعبية حاشدة صوب ولاية الجهة، مطالبة المسؤولين بالتدخل العاجل لإيجاد حلول واقعية تضمن سلامتهم وكرامتهم، بما في ذلك ترحيلهم إلى أماكن آمنة. فالخطر محدق بعشرات العمارات العشوائية الأخرى التي باتت تهدد حياة قاطنيها بالانهيار في أي لحظة، وهو ما ينذر بكارثة إنسانية جديدة.

“لقد كانت ليلة عصيبة بكل المقاييس”، تروي سيدة من الحي، وخلفها تتراءى أكوام الركام المتبقية من البناية المنهارة. وتضيف في تصريح لـ [فاس24]: “ما حدث لجيراننا كان بمثابة صدمة قوية. نعيش في خوف دائم من أن نلقى نفس المصير. اضطررنا للنوم في العراء خوفاً من انهيار آخر”.

ويشاركها الحسرة حشد من المشاركين في المسيرة الغضابة ، الذي يؤكد أن “المعاناة التي نعيشها ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تراكمات سنوات طويلة. هذا الركام الذي ترونه هو بقايا بنايات انهارت في السابق”. ويستنكر ما يتردد عن إشعار السكان بالإخلاء منذ عام 2018، متسائلاً عن مصير هذه العائلات التي تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة ولا تملك بدائل.

وتعكس شهادات الساكنة حالة من الغضب والإحباط العميقين تجاه المسؤولين، الذين يتهمونهم بالتخلي عنهم بعد استغلال أصواتهم في الانتخابات. وفي ظل غياب حلول جذرية، يجد العديد من السكان أنفسهم مجبرين على البقاء في منازلهم المتصدعة خوفاً من المجهول، بينما يبيت آخرون في العراء خشية تكرار الكارثة.

يُلقى هذا الملف الشائك والملغوم بظلاله الثقيلة على والي جهة فاس مكناس الجديد،  معاذ الجامعي، الذي يواجه امتحاناً حقيقياً في فك رموز هذه الأحياء الشعبية التي تشكل “أحزمة بؤس” تحيط بفاس التاريخية. ويتطلب الأمر تدخلاً عاجلاً وشاملاً، لا يقتصر على الإجراءات الأمنية والإغاثية، بل يمتد ليشمل حلولاً إسكانية مستدامة تراعي الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للساكنة، ووضع حد لتوسع البناء العشوائي الذي يهدد حياة الآلاف. فهل سينجح الوالي الجديد في تجاوز التحديات وطي صفحة الإهمال التي طالت هذه الأحياء لعقود؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى