قضايا

تقرير إخباري: “شمال وغرب المغرب تحت حصار السيول.. استنفار ملكي وتدخلات واسعة لإنقاذ الساكنة”

تستعر في هذه الأثناء واحدة من أقسى الأزمات المناخية التي شهدها المغرب في العقد الأخير، حيث تحول الشمال والغرب المغربي إلى ساحة مفتوحة لمواجهة “طوفان” حقيقي تقوده رياح هوجاء وتساقطات مطرية لم تتوقف منذ زوال أمس الثلاثاء. في مشهد يحبس الأنفاس، تعيش مدن القصر الكبير، سيدي قاسم، سيدي سليمان، تطوان، شفشاون، تاونات، وتازة، ساعات عصيبة تحت نيران السيول التي جرفت الأخضر واليابس، وسط استنفار أمني وعسكري غير مسبوق تنفيذاً لتعليمات ملكية سامية تقضي بتسخير كافة الإمكانيات اللوجستيكية والبشرية لحماية الأرواح والممتلكات.

القصر الكبير: ليلة “الاستغاثة” الكبرى وإخلاء شامل تحت ضغط سد وادي المخازن ووادي اللوكوس

لم تكن ليلة أمس في القصر الكبير مجرد ليلة ممطرة، بل كانت ليلة بيضاء عاشتها الساكنة على وقع صافرات الإنذار ونداءات الاستغاثة التي دوت في أرجاء المدينة حتى فجر اليوم الأربعاء. السلطات المحلية، وبتنسيق مع لجنة اليقظة الوطنية، أطلقت نداءات استغاثة أخيرة لمطالبة الساكنة التي لا تزال مختبئة وسط منازلها بضرورة الخروج فوراً، معلنةً عن عملية “إخلاء شامل” للمدينة ومحيطها.

هذا القرار الجريء جاء نتيجة وصول منسوب مياه سد وادي المخازن إلى مستويات قياسية تهدد بفيضان كارثي بوادي اللوكوس لا يمكن صده. وبموجب التعليمات الملكية، تم إنزال تعزيزات عسكرية ضخمة بالمنطقة، حيث شوهدت مروحيات “الهليكوبتر” وهي تمشط سماء المدينة وضواحيها لانتشال المواطنين الذين حاصرتهم المياه فوق أسطح منازلهم أو في الطوابق العلوية. وفي خطوة احترازية متقدمة، تم تفكيك المخيمات التي كانت منصوبة قرب المدينة ونقل المواطنين عبر حافلات وشاحنات عسكرية صوب مدن أخرى، خوفاً من “ارتدادات جوية” قد تكون أكثر فتكاً خلال الساعات القادمة.

سهل الغرب: حصار “سبو وورغة” والجيش يتدخل في الدواوير المعزولة

على جبهة أخرى، يعيش إقليما سيدي قاسم وسيدي سليمان وضعاً مأساوياً بعد أن وجد سكان عشرات الدواوير أنفسهم محاصرين بالكامل بمياه وادي سبو ووادي ورغة. هذا الارتفاع المفاجئ في منسوب المياه جاء نتيجة “الحمولة الاضطرارية” التي أطلقتها سدود المنطقة، وعلى رأسها سد الوحدة، لتخفيف الضغط الهيدروليكي الناتج عن التساقطات الكثيفة.

فرق التدخل التابعة للقوات المسلحة الملكية، مدعومة بالسلطات المحلية و بالوقاية المدنية والدرك الملكي، شنت عمليات إجلاء واسعة استُخدمت فيها الزوارق المطاطية والمروحيات العسكرية لفك الحصار عن المواطنين العالقين وسط مياه السيول التي غطت مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية، محولةً المنطقة إلى بحيرة كبرى. المشاهد الآتية من هناك تعكس حجم الكارثة، حيث فقد الفلاحون محاصيلهم وماشيتهم، بينما تتركز الجهود الآن على “إنقاذ الإنسان” أولاً وأخيراً.

تطوان وشفشاون: “نشرات حمراء” وانجرافات تربة تهدد الجغرافيا الجبلية

بالانتقال إلى أقصى الشمال، وتحديداً في تطوان وشفشاون، فإن الوضع يزداد قتامة مع استمرار “النشرات الحمراء” التي تتوقع هطول كميات قياسية من الأمطار. في تطوان، غمرت المياه أحياءً سكنية بأكملها صباح اليوم بعد تساقطات لم تتوقف لأكثر من 24 ساعة، مما شل حركة السير تماماً وجعل من التنقل داخل المدينة مغامرة محفوفة بالمخاطر.

أما في “المدينة الزرقاء” شفشاون، فقد تحركت السلطات بشكل عاجل لإغلاق عدة محاور طرقية حيوية، مع بدء عملية إجلاء الساكنة من الدواوير الواقعة في سفوح الجبال. الخطر هنا مزدوج؛ فإلى جانب الفيضانات، تشكل انجرافات التربة تهديداً مباشراً للمساكن والطرق. وقد سجلت المنطقة انزلاقات أرضية أدت إلى قطع طرق وطنية، مما استدعى تدخل الجرافات والآليات الثقيلة في محاولة يائسة لفتح ممرات آمنة لفرق الإنقاذ.

تاونات وتازة: حالة التأهب القصوى وسط فيضانات “وادي اللبن”

في إقليم تاونات، رفعت السلطات حالة التأهب إلى درجتها القصوى (الدرجة الحمراء). مياه “وادي ورغة” و”وادي اللبن” لم ترحم الدواوير المجاورة، حيث غمرت المنازل والمرافق العمومية. السلطات نجحت في انتشال عشرات المواطنين ونقلهم إلى مراكز إيواء مجهزة بالمواد الغذائية والأغطية والأطقم الطبية، لكن استمرار انجراف التربة يظل العائق الأكبر أمام استقرار الوضع.

وبالنسبة لمدينة تازة، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث عرفت المدينة فيضانات في عدة محاور وطرقات رئيسية وأحياء سكنية منخفضة. وتواصل السلطات هناك تسخير الجرافات لفتح المحاور الطرقية التي سدتها الأوحال والحجارة الناتجة عن السيول الجارفة، وسط دعوات ملحة للمواطنين بتجنب التنقل إلا للضرورة القصوى.

إدارة السدود: الموازنة بين “الأمن المائي” و”خطر الفيضان”

تتابع الجهات المختصة ، وعلى مدار الدقيقة، وضعية السدود الكبرى كـ سد وادي المخازن، سد أسفالو، وسد الوحدة. إن عملية “تخفيف السدود” المملوءة، رغم ضرورتها التقنية لحماية بنية السد من الانهيار، هي السبب المباشر في الفيضانات التي تشهدها جنبات الأودية (اللوكوس، سبو، ورغة). هذا الضخ المائي الهائل يصطدم بجريان طبيعي قوي للوديان، مما يؤدي إلى خروج المياه عن مجراها الطبيعي واجتياحها للمناطق السكنية والفلاحية في منطقة الغرب والشمال.

نداء الوطن: تظافر الجهود لمواجهة الساعات القادمة

أمام هذا الوضع الاستثنائي والساعات العسيرة القادمة التي تتوقعها مديرية الأرصاد الجوية، يبقى الرهان الوحيد هو تظافر الجهود والتعاون الوثيق بين كافة المتدخلين والساكنة. إن التعليمات الملكية السامية بإنزال الجيش والعتاد الجوي تعكس جدية الموقف وخطورته.

خلاصة التقرير للمواطنين:

  • أصحاب العربات: يُمنع بتاتاً المغامرة بعبور الطرق المغمورة أو التنقل بين المدن المتضررة (خاصة محاور القصر الكبير-تطوان،شفشاون و سيدي قاسم و سيدي سليمان، وتاونات-تازة).

  • سكان الضفاف: الاستجابة الفورية لنداءات الإخلاء وعدم التردد في مغادرة المناطق المنخفضة.

  • التواصل: البقاء على اتصال دائم بقنوات الإخبار الرسمية وتجنب تداول الإشاعات التي قد تثير الذعر.

إن المغرب، بقيادته وشعبه وقواته المسلحة ومختلف السلطات، يخوض اليوم معركة حقيقية ضد تقلبات المناخ، وهي معركة تتطلب أعلى درجات اليقظة والتضامن لتجاوز هذه المحنة بأقل الخسائر الممكنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى