تشديد غير مسبوق لشروط الترشح… القوانين الانتخابية الجديدة تُقصي المعزولين قضائياً والمحكومين بالسجن من السباق الانتخابي

دخلت التعديلات الجديدة التي همّت القوانين المنظمة للانتخابات حيز التنفيذ، بعد صدورها في الجريدة الرسمية، حاملة معها تحولاً لافتاً في شروط الأهلية القانونية للترشح، وعلى رأسها مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، التي وسّعت بشكل واضح حالات فقدان الأهلية الانتخابية، في خطوة ترمي إلى تحصين المؤسسات التمثيلية وتعزيز منسوب النزاهة في العملية الانتخابية.
وبموجب هذه المقتضيات الجديدة، أصبح ممنوعاً من الترشح للانتخابات كل شخص صدر في حقه حكم قضائي نهائي بالعزل من المسؤولية الانتدابية، سواء تعلق الأمر بأحكام زجرية أو بقرارات صادرة عن المحاكم الإدارية، وهو ما يشكل قطيعة مع الصيغة السابقة التي كانت تحصر فقدان الأهلية في حالات أضيق.
إقصاء المحكومين بالسجن دون استثناء
ومن أبرز ما حمله النص المعدل، تجريد كل من صدرت في حقه عقوبة حبسية من أهلية الترشح، سواء كانت العقوبة نافذة أو موقوفة التنفيذ، ودون تمييز بين نوع الجريمة أو مدتها، وهو ما يعكس توجهاً تشريعياً صارماً يربط الولوج إلى المؤسسات المنتخبة بمعايير أعلى من الاستقامة القانونية والأخلاقية.
ويؤشر هذا التوجه، بحسب متتبعين، إلى إرادة واضحة في قطع الطريق أمام إعادة تدوير المنتخبين المدانين قضائياً داخل المشهد السياسي، مهما كانت طبيعة الأفعال المرتكبة.
فقدان الأهلية منذ مرحلة الاستئناف
وفي مستجد وُصف بالأكثر حساسية، أقرّ القانون التنظيمي المعدل فقدان أهلية الترشح بمجرد صدور حكم استئنافي بالإدانة، حيث يمنع المعني بالأمر من خوض الاستحقاقات الانتخابية حتى في حالة لجوئه إلى الطعن بالنقض أمام محكمة النقض، إلى حين صدور قرار نهائي.
ويضع هذا المقتضى حداً لممارسات سابقة كانت تسمح بالترشح خلال مراحل متقدمة من التقاضي، وهو ما كان يثير جدلاً واسعاً حول تضارب الأخلاق الانتخابية مع المساطر القضائية الجارية.
إعادة رسم الخريطة الانتخابية
وتندرج هذه التعديلات ضمن مقاربة تشريعية شاملة لإعادة الاعتبار للفعل الانتخابي، من خلال تشديد شروط الولوج إلى المسؤوليات التمثيلية وربطها بالمحاسبة القضائية، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة ويحد من مظاهر العزوف والشك في جدوى التصويت.
ويرى فاعلون قانونيون أن هذه المقتضيات سيكون لها أثر مباشر على الخريطة الانتخابية المقبلة، سواء على مستوى إعادة ترتيب اللوائح الانتخابية، أو على مستوى استراتيجيات الأحزاب السياسية في اختيار مرشحيها، خاصة في الدوائر التي عرفت في السابق جدلاً حول نزاهة بعض المنتخبين.
بين تخليق الحياة السياسية وحماية الحقوق
وفي مقابل الترحيب الواسع بهذه التعديلات باعتبارها خطوة متقدمة في مسار تخليق الحياة السياسية، يطرح النقاش أيضاً حول كيفية التوفيق بين تشديد شروط الأهلية وضمان الحقوق الدستورية، خصوصاً في ما يتعلق بمرحلة الاستئناف والطعن بالنقض، وهو نقاش مرشح للتصاعد مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
غير أن المؤكد، وفق القراءة العامة للنص، أن المشرّع اختار هذه المرة منطق الحسم بدل التساهل، واضعاً سقفاً قانونياً واضحاً أمام كل من تحوم حوله أحكام قضائية تمس بأهلية تمثيل المواطنين.






