تحليل إخباري :الحكومة تدخل سنوات “المحنة” لمواجهة مدافع الملفات الإجتماعية لعام 2025
نختتم هذه السنة على وقع أرقام مخيفة حول البطالة وملف جديد بطله رئيس الحكومة، الذي فازت شركته بصفقة مشروع إنجاز محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، وهو ما يطرح السؤال حول ضرورة توزيع الثروة بشكل عادل التي دعا إليها والي بنك المغرب من أجل محاربة البطالة والحفاظ على السلم الاجتماعي.. فهل تشهد سنة 2025 بداية إجراءات عملية وفعلية من أجل الحفاظ على السلم الاجتماعي، أم أن الأمر سيتسمر إلى أن تعرف البلاد حركات اجتماعية، تدق أرقام البطالة المخيفة ناقوسها منذ الآن ؟
البطالة.. شبح يهدد السلم الاجتماعي
غير أن سنة 2024 لم تشهد أي جديد يذكر، رغم انتظار طال كان من شأنه أن يهم أساسا حملة تطهير كبرى، وفي المقابل انتهت هذه السنة بما هو أكبر من السنة التي سبقتها، حيث كانت نهاية هذه السنة على موعد مع طرح ملفات كبرى، لعل أبرزها ما دق ناقوس الخطر حول الوضعية الاجتماعية الداخلية، الذي أبرزه تصريح المندوب السامي للتخطيط الجديد، شكيب بنموسى، حول نتائج إحصاء عام 2024، حيث تحدث عن أن نسبة البطالة بلغت 21.3 في المائة، الذي يعتبر رقما كبيرا ويشكل خطرا محدقا بالسلم الاجتماعي، وهو الرقم الذي أدخل الحكومة في حرج كبير، وبررت الأمر بأن أرقام المندوبية السامية للتخطيط يكون مبالغا فيها، في إشارة إلى صراع الأرقام الدائم بين هذه المؤسسة والحكومة على مدى عقود، منذ عهد المندوب السامي السابق أحمد لحليمي.
وقد زاد من حدة أرقام مندوبية بنموسى، تصريح آخر من مسؤول كبير في المغرب، وهو والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، يقول فيه بكل وضوح، أن 50 في المائة من الشباب المغربي بين 15 و24 عاما، يعانون من البطالة، وهو رقم أكبر بكثير من أرقام بنموسى، ما يؤكد أن سوق العمل بالمغرب يشهد تحديات كبيرة، خاصة في صفوف الشباب، كما أوضح الجواهري، خلال الاجتماع الفصلي الرابع لبنك المغرب، أن معالجة مشكلة التشغيل بشكل فعال تتطلب التركيز على تحقيق النمو الاقتصادي وتوزيع الثروة بشكل عادل، مشيرا إلى أن الحلول الإدارية التي تم اعتمادها سابقا، أثبتت محدوديتها، مما يستدعي تبني مقاربة تنموية مستدامة، واختتم الجواهري تصريحاته بالتأكيد على أهمية تبني رؤية شاملة لمعالجة الإشكالات الاقتصادية، مع التركيز على تعزيز النمو وتوزيع الثروة بشكل متوازن، بما يحقق تنمية اقتصادية مستدامة تساهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية، وخاصة في مجال التشغيل.
وفي ظل النقاش الدائر حول خطر هذه الأرقام على السلم الاجتماعي، جاءت قضية استفادة شركة “أكوا” التابعة للهولدينغ المملوك لرئيس الحكومة، من صفقة محطة تحلية المياه بالدار البيضاء، وهو ما طرح النقاش حول كيفية الخروج من أزمة ارتفاع نسبة البطالة، خاصة وأن والي بنك المغرب اقترح كحل توزيعا عادلا للثروة، وجاء هذا الملف لكي يطرح بشكل جدي مسألة تضارب المصالح، وكيف تستغل السلطة التنفيذية، مجسدة في رئاسة الحكومة، مواقعها في السلطة من أجل أن توسع قاعدتها الاقتصادية، وتضمن بذلك احتكارها للفرص الاقتصادية، وترسم معادلة خطيرة من ثلاثة أبعاد: أولها استثمار الموقع في السلطة لرسم المساطر القانونية على مقاس مصالح النخب المتنفذة، وثانيها، المتاجرة بالدولة، أي أن النخب النافذة تستغل الحاجيات الاستراتيجية للدولة (الخصاص في الماء) لتخلق فرصا استثمارية توجهها لمصالحها الخاصة، والثالثة، تحول هذه النخب من مسؤولة عن حكامة هذه الفرص وشفافية الولوج إليها، إلى لعب دور المنافس والحكم، بما يجسد في نهاية المطاف أزمة زواج السلطة والثروة بالمغرب، بل بكل العالم العربي.
لم يقتصر أمر انتقاد رئيس الحكومة على حزب العدالة والتنمية فقط، بل تبعه في ذلك حزب التقدم والاشتراكية.. فقد “قدم الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله، تقريرا سياسيا خلال الدورة الخامسة للجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية، التي عُقدت بمقر الحزب يوم الأحد الماضي، انتقد فيه بشدة الحكومة، متهما إياها بالوقوع في تضارب المصالح وتعميق الفساد الاقتصادي، وهو ما اعتبره الحزب تجليا للصراع الطبقي في المغرب”، وأكد التقرير أن “الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، هي انعكاس للطبيعة الطبقية للحكومة، التي تصطف إلى جانب لوبيات الريع والمال”، متهما إياها بـ”التستر خلف خطاب اجتماعي تضليلي”، وأوضح بنعبد الله، أن “الحكومة تسعى لترسيخ التطبيع مع تضارب المصالح داخل صفوفها ومحيطها، وهو ما يعتبر خطرا مؤسساتيا ومجتمعيا غير مسبوق” وأشار في التقرير ذاته إلى تدهور المغرب في المؤشرات الدولية المرتبطة بالحكامة والنزاهة، بما في ذلك مؤشر إدراك الفساد، ومؤشر الشفافية في القطاع العمومي، والحكومة المنفتحة، وهو ما أكدته تقارير وطنية ودولية، بينها تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. كما لفت بنعبد الله الانتباه إلى شبهات “منح الامتيازات” لشخصيات قريبة من الفضاء الحكومي والحزب الأغلبي، بالإضافة إلى التعيينات في مناصب عليا بشكل يفتقد إلى المعايير الموضوعية، حيث اعتبر بنعبد الله أن فضيحة محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء مثال صارخ على ذلك، قائلا أن رئيس الحكومة متورط في هذه الصفقة رغم المخاطر الأخلاقية والسياسية المرتبطة بها، وأوضح حزب “الكتاب” أن “الحكومة تكتفي بمواجهة الفساد بتبسيط المساطر الإدارية، بينما سحبت مشروع قانون الإثراء غير المشروع من البرلمان، ولم تتجاوب مع المطالب المتعلقة ببلورة قانون تضارب المصالح”، ودعا الحزب إلى “مراجعة المنظومة التشريعية بما ينسجم مع الدستور، لمنع الجمع بين سلطة السياسة وإدارة الشأن العام من جهة، وسلطة المال والأنشطة الاقتصادية من جهة أخرى”.
ومن جانب آخر، أعطت الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في أشغال المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، بعدا آخر لهذا السجال الذي شغل الفضاء العام خلال الأسبوعين الأخيرين، حيث ركزت الرسالة في حيز منها على ضرورة محاربة الفساد، وجاء في مضامينها: ((إنه أصبح من الضروري تعزيز مبادئ التخليق ومحاربة الفساد، من خلال تطوير فلسفة الرقابة والمحاسبة، إعمالا للمبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة))، وفي ما يتعلق بالتحدي الرابع المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة في مجال تدبير الشأن الترابي، أبرز الملك محمد السادس أن ((الجماعات الترابية الأخرى بمقدورها كسب رهان التنمية والقطع مع الأنماط التقليدية للتدبير، من خلال إقرار واعتماد آليات الحكامة والديمقراطية والمشروعية والفعالية))..
وقد قام الملك محمد السادس منذ تعيين الحكومة الجديدة، بتعيينات جديدة انطلاقا من سنة 2021، همت سلك القضاء ومجلسي المحاسبة والمنافسة، فبخصوص الجسم القضائي، تم تعيين محمد عبد النباوي رئيسا أول لمحكمة النقض، وبهذه الصفة أصبح رئيسا منتدبا للسلطة القضائية بدلا من مصطفى فارس، كما استقبل الملك زينب العدوي وعينها في منصب الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات خلفا لإدريس جطو، وذكر بيان الديوان الملكي أن الملك محمد السادس زود الرئيسة الجديدة بتوجيهاته قصد الحرص على قيام هذه المؤسسة بمهامها الدستورية، لاسيما في ممارسة المراقبة العليا على المالية العمومية، وفي مجال تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، وقد أكدت العديد من المصادر الإعلامية، أن هذه التعديلات الملكية التي همت العدالة في المغرب، توحي بإرهاصات توجه جديد متسم بالصرامة في معالجة الملفات، لا سيما بعد ترقية الوالي زينب العدوي من مفتشة بوزارة الداخلية إلى رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، ومنذ ذلك التاريخ فتحت عدة ملفات متابعات في حق رؤساء جماعات ونواب برلمانيين، إلا أن ذلك يبقى غير كاف في ظل ما طرح مؤخرا حول ضرورة توزيع الثروة بشكل عادل من أجل خفض نسبة البطالة.
ورغم المبادرة الملكية، إلا أن الأرقام الصادرة مؤخرا عن بنك المغرب ومندوبية التخطيط، تبقى مخيفة بشكل كبير، حيث أصبحت مسألة محاربة الفساد وتوزيع الثروة بشكل عادل مطلبا ملحا أكثر من أي وقت مضى، في سياق وطني ودولي يدعو إلى ضرورة الحفاظ على السلم الاجتماعي.. فهل تشهد سنة 2025 بداية مبادرات جادة من أجل محاربة الفساد وتوزيع الثروة بشكل عادل من أجل تخفيض البطالة، أم سنبقى سائرين في طريق لا نعلم إلى ما سيؤدي، خاصة وأننا نتحدث بشكل أساسي عن السلم الاجتماعي ؟






