سياسة

تحليل إخباري: أخنوش في مفترق طرق بـ “تيسة”.. حصيلة “المغرب الفرص” على محك “المغرب العجاف” في فاس-مكناس

ليس مجرد تجمع حزبي روتيني، بل هو لحظة حاسمة في مسار حزب التجمع الوطني للأحرار وحكومته. عندما يقف رئيس الحكومة و رئيس الحزب، عزيز أخنوش، زوال اليوم الأحد، ببلدة تيسة بإقليم تاونات (جهة فاس-مكناس)، لاستعراض “حصيلة الإنجازات” بعد أربع سنوات من قيادة الجهاز التنفيذي، فإنه يواجه حكماً شعبياً قاسياً في معقل “الخزان الانتخابي” الأكثر هشاشة.

الحفل، الذي يُفترض أن يكون مناسبة لتكريم “مسار الإنجازات”، يتحول اليوم إلى مفترق طرق يكشف التناقض الصارخ بين وعود “مغرب الفرص” لانتخابات 2021 والواقع “المتأزم” للجهة التي تعيش سنوات “عجاف وقاسية” طغى عليها غلاء الأسعار والركود التنموي. السؤال الذي يتردد على مسامع ساكنة الأقاليم التسعة هو: ماذا قدم منتخبو وبرلمانيو “الحمامة” لهذه الجهة التي ما زالت ترزح تحت وطأة غياب التنمية ونتائج “عملية إذلال” ممنهجة للأحزاب المنافسة؟

I. الإنجازات المفقودة: سنوات الريع وغلاء الأسعار

استند وصول أخنوش وحزبه إلى الحكومة على موجة تغيير قوية، بعد معركة سياسية قادت إلى إزاحة وإضعاف الأحزاب الوطنية، إلا أن الأداء الحكومي، خاصة في المناطق الهشة بجهة فاس-مكناس، يكشف عن حصيلة مغايرة للخطاب الرسمي:

1. مقصلة القدرة الشرائية وقطاع التجارة:

شهدت فترة الحكومة الحالية ارتفاعاً غير مسبوق في غلاء المعيشة والتضخم، مما أدى إلى تدمير ممنهج للقدرة الشرائية للمواطن البسيط. لم تتوقف الأزمة عند المواطن، بل امتدت لتطال تجار ومقاولات الجهة، الذين يعانون من:

  • رفع الضرائب والإجراءات الجبائية القاسية: مما زاد من أعباء التشغيل و**”حرق”** قطاع التجارة المحلية.

  • تفاقم اقتصاد الريع: يرى المنتقدون أن فترة الحكومة طغى عليها “اقتصاد الريع” الذي استفادت منه شبكات محدودة، بينما بقيت قطاعات الإنتاج الحقيقي، خاصة في الجهة، تعاني من الإهمال وغياب الدعم الحقيقي.

2. نكث العهود وتأثير الجفاف القاتل:

تعاني جهة فاس-مكناس، وهي جهة فلاحية بامتياز، من آثار سنوات الجفاف المتتالية التي لم تجد ما يكفي من الرؤية الحكومية لمواجهتها. هذا الوضع أدى إلى إنهاك الفلاحين وتزايد الهجرة القروية. الانتقادات توجه لكون الجهة بدت وكأنها “آخر ما تفكر فيه” الحكومة، مما يشير إلى نكث صريح للوعود الانتخابية التي قدمها الحزب لهذه الكتلة الناخبة.

3. ركود الحياة اليومية و”سير السلحفاة”:

الواقع الاجتماعي في الجهة يتسم بالركود، حيث يصف المواطنون مسير حياتهم اليومية بأنه “سير السلحفاة”، نتيجة لبطء معالجة الملفات الاجتماعية، خاصة:

  • قطاع الصحة والتعليم: شهدت الجهة احتجاجات متكررة في هذين القطاعين الحيويين، نتيجة لضعف البنية التحتية وغياب التجهيزات الأساسية.

  • أزمة البطالة واعتصامات الخريجين: أصبحت “جحافيل الخريجين” تقضي لياليها في اعتصامات أمام المؤسسات العمومية طلباً لـ “فرص الشغل المفقودة”، مما يؤكد فشل الحكومة في خلق الدينامية الاقتصادية المطلوبة.

II. الكارثة الأخلاقية: “مغرب الفرص” يتحول إلى “مغرب المتابعات القضائية”

أكبر ملف يواجه أخنوش وحزبه في تيسة اليوم هو النزيف الأخلاقي والقضائي لمنتخبي “الحمامة” في الجهة. إن حصيلة الحزب في جهة فاس-مكناس يمكن تلخيصها بأنها حصيلة “كارثية” في الشق المتعلق بالنزاهة:

  • المتابعات القضائية القياسية: شهدت الجهة، في عهد قيادة أخنوش للحزب، أكبر عدد من المتابعات القضائية في حق منتخبين، ليقبع بعضهم في السجن، ويتابع آخرون في حالة سراح، فيما صدرت قرارات عزل بحق منتخبين آخرين.

  • فاس.. انهيار مجلس المدينة: يمثل مجلس مدينة فاس مثالاً صارخاً، حيث أن عمدة المدينة محكوم عليه بالسجن، مما أدى إلى دخول مجلس المدينة في “سنوات عجاف وخاوية على عروشها”.

  • مكناس ومولاي يعقوب: فقد الحزب مجلس مكناس بسبب صراعات داخلية حادة بين منتخبي “الحمامة”. وفي مولاي يعقوب، يتابع رئيس المجلس الإقليمي في حالة سراح في “ملف ثقيل”.

  • مقاطعات فاس: أدخل السجن رئيس مقاطعة جنان الورد ومنتخبون آخرون، مما يعكس أن نتائج انتخابات 2021، التي وُصفت بـ “انتخابات الصدفة” و “مغرب الفرص”، أفرزت نُخباً هشة مهددة بالعزل والمتابعة.

III. تكتيكات الإلهاء وخطر “انفجار” الثقة

يرى المحللون أن الحكومة تتقن فن “الخطابة والكذب والبهتان” على فئة مغلوب على أمرها من ساكنة الجهة. لكن الإشكالية الأكبر تكمن في طريقة تعامل الحزب مع قاعدته الانتخابية:

1. آلية استهداف “الخزان الانتخابي” المباشرة:

يعتمد حزب الأحرار على استراتيجية استهداف “الخزان الانتخابي” في المناطق الهشة، وهي فئة “لا تفقه في علم السياسة” لكن يتم تحريكها من الخلف. هذا الاستهداف يرتكز على:

  • التمويل المباشر والوعود المباشرة: تقديم وعود أو خدمات مباشرة و**”شرعية”** (ضمن برامج اجتماعية) لاستمالة هذه الفئة، مقابل تجاهل مطالبها التنموية بعيدة المدى.

  • الإلهاء عن الفشل: استخدام الخطاب الإنجازي القوي في تجمعات كـ “تيسة” لـ الإلهاء عن فشل الحصيلة الحكومية في الملفات الكبرى (البطالة، الصحة، التعليم).

2. أزمة الثقة وفاتورة الأحزاب:

إن تواصل هذه الأوضاع ينذر بـ انهيار شامل للثقة بين المواطنين والمؤسسات الحزبية. فالمغاربة، وساكنة جهة فاس-مكناس على وجه الخصوص، “يؤدون فاتورة الأحزاب” عبر الغلاء والركود التنموي، بينما يغيب عنهم التمثيل النزيه والقوي.

متى سينقلب الضد؟ هذا هو السؤال الأخطر. إذا زاد الضغط عن حده، فإن الواقع يقول بأن الضغط “يولد الانفجار”. استمرار أخنوش في الاعتماد على “الخزان الانتخابي” الهش، دون تقديم تنمية حقيقية، يجعله يقف على فوهة بركان.

IV. أخنوش في مفترق الطرق.. “تيسة” كرمز للتحدي

اليوم، لا يملك أخنوش رفاهية الخطاب المنمق. المطلوب منه هو تقديم إجابات واضحة لساكنة الجهة حول “الحصيلة المفقودة”، والكشف عن رؤية حكومية ملموسة لإنقاذ الجهة من سنوات الجفاف والركود.

هل ستنهض الجهة يوماً وتستفيق ساكنتها من سبات الوعود؟ أم أن الأحرار سيواصل مسار الإنجازات “الوهمية” حتى انتخابات 2026؟ الإجابة تكمن في قدرة الحزب على إقناع ناخبيه بأن الثقة الممنوحة لم تذهب سدى، وهو تحدٍ يواجه الحكومة في الوقت الذي تبدو فيه الثقة العامة في أدنى مستوياتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى