قضايا

تحقيق صحفي: فاس بين خطر الانهيارات : و ركام الأمس وهاوية الغد… وتحت رحمة عقود من الفوضى العمرانية.. من يحمي الأرواح؟

تحقيق صحفي من إنجاز: عبدالله مشواحي الريفي

في يوم ثقيل، خرجت المدينة العريقة من امتحان عسير أعاد إلى الواجهة هشاشة نسيجها الحضري، وكشف بوضوح حجم التحديات التي تنتظر الوالي الجديد خالد أيت الطالب. لم تكن حادثة الانهيار الأخيرة حدثاً عارضاً ولا صدى عابراً لكابوس عمراني؛ بل كانت جرس إنذار مدوياً لمدينة تتقاذفها موجات الهجرة القروية و الفقر والعشوائيات والإهمال المؤسساتي، وتواجه تسونامي عمرانيًا صامتًا نما عبر أربعين عاماً من الفوضى الهندسية والبناء المشوب بالغش.

هذه الكارثة، التي شهدتها فاس أمس وخلفة 22 قتيلا و مصابين، لم تكن سوى مسلسل متنامي و “نقطة في بحر” من التهديدات اليومية التي تترصد ساكنة الأحياء الهشة والدور المتهالكة. لكن المفارقة أنّ ما وقع لم يعد الحدث الأهم…
الأخطر اليوم هو ما سيقع إذا لم تُتَّخذ إجراءات جذرية وسريعة.

هذا التحقيق ينفذ إلى عمق الأزمة، ويقيم تشريحاً شاملاً للأسباب، ويتساءل:
من يتحمّل المسؤولية؟
ولماذا لم تُتَّخذ الاحتياطات رغم التحذيرات المتكررة؟
وهل لدى السلطات الجهوية القدرة والإرادة على قلب المعادلة قبل سقوط المنازل التالية؟

الفصل الأول: أحزمة الفقر… أربعون سنة من التمدد الصامت

لم تظهر الأزمة العمرانية في فاس فجأة. فخلال أربعة عقود، تمددت الأحياء العشوائية في محيط المدينة و بات يطلق عليها أحزمة الفقر و البؤس. هذه المناطق ليست مجرد تجمعات سكنية، بل “جزر معزولة” من الفقر والضمور الاجتماعي، حيث شُيِّدت آلاف المنازل خارج أي منطق هندسي، دون  مراقبة التصاميم المعمارية، ودون مراقبة تقنية.ودون أي مرفق للعيش الكريم.

كانت تلك الأحياء تُبنى لبنة فوق أخرى، على أراضٍ لا تتحمل الوزن، وبمواد لا تقاوم الرطوبة ولا الأمطار، وفي غياب أي بنية تحتية أو تجهيزات،بعد ان كانت الحكومات السابقة و الحالية قد أطلق مغربا بدون صفيح و لكن اليوم نواجه مغربا بسقوط الأوراح تحت الركام.

هذه التراكمات خلقت ما بات يُشبه قنبلة حضرية موقوتة، أفرزت مشهداً عمرانياً هشّاً يحتاج فقط الى  شرارة مناخية عاربة أو لمسة اهتزاز كي يسقط.

والواقع أن ما تعيشه المدينة اليوم هو نتيجة طبيعية لهذا التاريخ الطويل من التفريخ العشوائي، حيث اختلطت الحاجة بالسلوك الفردي، وارتبطت بالبناء غير القانوني الذي فرخ بشكل جنوني و تم التغاضي عنه مقابل حسابات انتخابية أو مصالح ضيقة.

الفصل الثاني: الجميع مسؤول… من المواطن إلى المنتخب والسلطات والوكالة الحضرية

عند تحليل جذور الكارثة، يتبين أنّ المسؤولية ليست أحادية.
إنها مسؤولية مشتركة تتوزع على حلقات متشابكة:

1. المواطن:

في كثير من الحالات، كانت الأسر نفسها تبادر إلى البناء دون احترام أدنى معايير السلامة، اعتماداً على تقنيات بدائية ومواد رخيصة،و هي تصارع الزمن لتعلي و تصل الى طوابق مائلة من النظرة الأولى و لكن بمواد البناء كلها تعرض للغش،وهو ما بات يطلق بفاس على أن هناك مافيا البناء العشوائي .

2. المنتخبون:

في مرحلة من مراحل نمو العشوائيات، لعب بعض المنتخبين أدواراً محورية في “تنظيم الفوضى” بدل تنظيم العمران، فشجعوا  وغضوا الطرف عن التجاوزات مقابل أصوات انتخابية، أو تغذوا من اقتصاد البناء غير القانوني،و أن منتخبين بنفسهم تروطوا في تفريخ البنايات العشوائية وهي الزاوية التي يجب ان لا تمر مرور الكرام لوقف نزيف سقوط الأوراح في معركة رخصية.

3. السلطات المحلية:

أحياناً بدت السلطات الإدارية عاجزة، وأحياناً أخرى متراخية، وفي حالات كثيرة غير راغبة في الاصطدام مع لوبيات المصالح،و كثيرا متواطئة من خلال السماح بتشييد العمارات الهوائية الشاهقة بدون اي ترخيص يذكر.

4. الوكالة الحضرية:

هذه المؤسسة التقنية كان يُعوَّل عليها لتكون حارسة التخطيط العمراني، لكنها لم تفلح في فرض الرقابة أو ضمان احترام الضوابط في المناطق الهشة.
وقد فشلت في تقديم بدائل تساعد المواطنين على بناء سكن لائق خاضع للمواصفات،و في كثير الأحيان كانت غائبة عن الميدان و كانت تنتظر المزيد من الإنهيارات.

الفصل الثالث: النسيج العتيق… ورشة ملكية لم تصمد أمام واقعها

إذا كانت العشوائيات للأحياء الهامشية الجديدة والتي لا يتجاوز عمرها 40 سنة تمثل الوجه الظاهر للأزمة، فإنّ النسيج العتيق لفاس هو قلبها النازف الحقيقي الذي يشهد له التاريخ و بنيانه يتجاوز القرون.
هذا التراث الإنساني المصنف عالمياً، والذي استهدفه مشروع ملكي رائد للترميم، كان يفترض أن يخرج من دائرة الخطر.
غير أنّ الوقائع على الأرض تقول العكس.

وكالة إنقاذ ورد الاعتبار لمدينة فاس (ADER-Fès) كانت في قلب هذا الورش، وتولت مهام الصيانة والترميم وإعادة التأهيل. لكن السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه اليوم:

كيف تستمر الدور في الانهيار رغم كل تلك التدخلات؟

وهل أدت الوكالة مهامها بالشكل المطلوب؟
أم أنّ جزءاً من البرامج كان سطحياً و ترقعيا لم يعالج الأعطاب البنيوية؟
هل جرى تقييم المشاريع السابقة؟
ولماذا لا توجد لغاية اليوم حصيلة رسمية دقيقة تُطلع الرأي العام على مدى نجاعة تلك تدخلات؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً صحفياً، بل ضرورية لحماية الأرواح داخل الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة، حيث أي الأعمدة لن تطول كثيرا و لن تقاوم أمام أي  انهيار مهما كان حجمه يُعد كارثة إنسانية.

الفصل الرابع: فاس ليست في حاجة إلى خطاب المزايدات… بل إلى خطة إنقاذ

في خضم هذا الوضع المعقد، ظهرت أصوات سياسية تُحاول تبرئة الذات أو مهاجمة الخصوم أو استغلال المآسي لتحقيق مكاسب ظرفية.
غير أن الحقيقة واضحة:

من يتحدث اليوم عن الأزمة هو نفسه الذي ساهم في صنعها.

لقد أصبح الخطاب السياسي جزءاً من المشكلة، وليس جزءاً من الحل.

فلا المواطن ينتظر من السياسي تصريحات نارية، ولا المدينة بحاجة إلى توجيه الاتهامات في كل الاتجاهات.
فاس بحاجة إلى شيء واحد:

خطة إنقاذ حقيقية، لا بيانات حزبية.و لا تصريحات سياسية .

ومع حادثة الانهيار الأخيرة، ثبت أنّ الزمن لم يعد يسمح بأي ترف سياسي.

الفصل الخامس: الاستغلال الرخيص للموتى… انحدار أخلاقي يستوجب تحرك النيابة العامة

ما أثار غضب الفاسيين بعد حادثة أمس لم يكن الانهيار فقط، بل موجة الاستغلال الرخيص للمأساة.
فبينما كانت فرق الإنقاذ تبحث وسط الركام، ظهرت بعض الأصوات البشه الإعلاميةو  على منصات التواصل:

مدونون يستغلون الفاجعة لبث السخرية.

أقلام أشعلت موجة من الاستهزاء غير الأخلاقي.

محتويات تُحوّل المأساة إلى “فرجة رقمية”.

هذا الانحدار شوه صورة المدينة وجرح مشاعر الأسر المنكوبة.

الرأي العام يطالب اليوم بتدخل النيابة العامة لفتح تحقيقات ضد كل من تاجر بالموت أو استغل الكارثة لإثارة البلبلة.
فالموت له حرمته، والأزمات لها أخلاقها، والتلاعب بالمشاعر الإنسانية هو جريمة في حد ذاته.و المغرب هو وطن جميع المغاربة الشرفاء الذين أعلنوا التضامن في ساحة الموت.

الفصل السادس: بين ركام الأمس وهاوية الغد… هل ننتظر سقوط المنازل التالية؟

الخبراء في الهندسة والعمران يؤكدون أنّ المنازل المغشوشة والمخالفة ستستمر في السقوط.
الأمر ليس توقعاً سوداويًا، بل حقيقة تقنية:

الغش في مواد البناء منعدمة الجودة.

الأساسات الضعيفة.

الغياب شبه التام للمراقبة.

التآكل الطبيعي بفعل الأمطار والرطوبة.

إضافة ثلاث أو أربع بنايات عن التصميم الأصلي وهو سفلي مع طابقين .
بعض التجزئات التي شيدت فيها المباني هي بذاتها تربتها غير صالحة للبناء لأن تعيش تحتها برك مائية.

كلها عوامل تجعل المسألة مسألة وقت فقط.

الحديث عن ما وقع لم يعد كافياً…
المطلوب اليوم هو الحديث عن ما سيقع وكيف نمنعه.

الفصل السابع: الحلول المقترحة… منطقية، واقعية، وقابلة للتنفيذ

فاس ليست مدينة ميؤوساً منها.
لكنها تحتاج إلى إرادة وقرار سياسي قوي وخطة ميدانية عاجلة من عدة مستويات:

1. الترحيل الشامل للأحياء الأخطر

نقل سكان المناطق المصنفة “حمراء”، مثل الهامشية والنقاط السوداء الأخرى، نحو سكن لائق يحفظ كرامتهم.

2. إعادة هيكلة ما يمكن إصلاحه

في بعض الأحياء، الحل ليس الترحيل بل التدعيم الهندسي وإصلاح البنية التحتية.

3. فتح ملفات الوكالات والمؤسسات

تقييم عمل وكالة إنقاذ فاس وفتح الملفات التقنية التي لم تُعرض سابقاً على الرأي العام.

4. إطلاق شرطة تعمير صارمة

تجريم البناء العشوائي، ومتابعة كل المتورطين في منح الرخص المشبوهة.

5. تأسيس مرصد جهوي للاستجابة للكوارث

جهاز دائم، بكفاءات تقنية عالية، يفحص المباني المهددة بشكل دوري.

6. صندوق جهوي للطوارئ

لتغطية الخسائر والتدخل السريع بهدف إنقاذ الأرواح.

7 تأسيس شركة جهوية للتنمية

تعنى بعمليات مواكبة الدور الألية للسقوط و الدور المغشوشة و السهر على عملية الترحيل و إيجاد حلول سكنية لائقة.

 فاس… مدينة تُطلق نداء استغاثة

ما وقع أمس كان الفاجعة…
لكن ما قد يقع غداً هو الخطر الأكبر إذا ظل الوضع على حاله.

فاس اليوم تُلقي بثقلها على طاولة الوالي الجديد،وه ذات الشخص الذي لن يصفق لوحده و لن يستطيع حل التراكمات ما لم تتظافر الجهود من كل المتدخلين وخاصة وزارة الداخلية ووزارة الإسكان ووزراة المالية و مجلس الجهة.
الساكنة تنتظر، والمؤسسات تحت المجهر، والمدينة تسير على حد السكين.

لن يتوقف الانهيار ما لم يتوقف التراخي.
ولن تتوقف الكوارث ما لم تبدأ المحاسبة.
ولن تنجو فاس من “رائحة الموت” التي تطارد أحياءها إلا إذا اجتمعت الإرادة السياسية والتقنية والمجتمعية على خطة واحدة:

إنقاذ ما يمكن إنقاذه… قبل أن يتحول الركام إلى عنوان دائم للمدينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى