تحقيق صحفي خاص: وثائق رسمية تفتح مسارات جديدة في ملف “Pharmaprom”.. شبكة مصالح عائلية تُربك رواية الحكومة قبل مثولها أمام البرلمان

تحقيق خاص: من إنجاز فاس24
في الوقت الذي تستعد فيه حكومة عزيز أخنوش للوقوف أمام “لجنة القطاعات الاجتماعية” لتقديم معطيات تعتبرها “حاسمة” بخصوص تدبير الصفقات العمومية وآليات مراقبتها، تبرز معطيات جديدة—مستقاة من وثائق رسمية—لتعيد إشعال الجدل المحيط بشركة Pharmaprom، وتحديداً بشبهة استمرار ارتباط وزير التربية الوطنية، محمد سعد برادة، بهذه الشبكة الاقتصادية من بوابة النفوذ العائلي، رغم إعلانه الرسمي عن الاستقالة.
هذا التحقيق، المبني على وثائق تجارية ومحاضر رسمية حصل عليها موقع “نيشان”، يكشف مساراً موازياً للأحداث: خروج شكلي من مواقع القرار يقابله تعزيز هادئ للموقع المالي داخل المجموعة العائلية، في ظرفية يُفترض فيها أن تسعى الحكومة إلى تبديد الشبهات بدل تعميق الأسئلة المفتوحة.
محطة أولى: استقالة الوزيـر… لكن المنصب بقي داخل العائلة
تشير محاضر الشركات إلى أن محمد سعد برادة قدّم فعلاً استقالته من رئاسة وإدارة شركة Pharmaprom مباشرة بعد دخوله الحكومة في أكتوبر 2024. وقد تم ذلك في جمع عام استثنائي عُقد يوم 1 نونبر 2024، وسُجّل في المحكمة التجارية بالدار البيضاء يوم 11 نونبر 2024 تحت رقم 942473.
لكن ما حدث بعد ذلك يثير التساؤلات:
لم يذهب المنصب إلى إطار مستقل أو مدير تنفيذي خارجي، بل انتقل إلى شقيقه حسن برادة، الذي انتقل من إدارة شركة مختصة في صناعة الحلويات إلى إدارة شركة تنشط في القطاع الصحي. خطوة تبدو قانونية شكلاً، لكنها من حيث البُعد العملي تبقي دائرة التحكم داخل المنزل العائلي.
محطة ثانية: خروج من التسيير يقابله دخول عبر الأسهم
وثائق أخرى تؤكد أن الوزير استقال أيضاً من مهامه داخل شركة BMPAR، ليحلّت زوجته أمل القادري مكانه. غير أن المعطى الأكثر إثارة يكمن في الهبات العائلية التي توصل بها الوزير بالتزامن مع استقالته.
بتاريخ 2 دجنبر 2024، حصل محمد سعد برادة على 22.500 سهم داخل الشركة نفسها (7500 سهم من كل فرد من أفراد العائلة الثلاثة: زوجته، غيثة برادة، وعلي برادة). وتم تسجيل العملية قانونياً تحت رقم 945662.
تحويل الأسهم هذا، وإن جاء تحت غطاء الهبة العائلية، يحمل دلالة مهمة:
استمرار الوزير في تعزيز موقعه المالي داخل المجموعة التي تملك حصصاً في Pharmaprom، حتى بعد مغادرته مواقع القرار التنفيذي.
محطة ثالثة: خيط يربط الشركات ببعضها… ومجلس المنافسة سبق أن نبّه
تعود الإحالة المركزية هنا إلى قرار مجلس المنافسة رقم 113/D/2022، الذي كشف بشكل واضح أن شركتي BFO Partners و BMPAR كانتا قد اشترتا 100% من أسهم Pharmaprom سنة 2022، بعد عملية تركيز اقتصادي خضعت لمراقبة المجلس.
ومادامت BMPAR مرتبطة مباشرة بالهبات التي حصل عليها الوزير، فإن الحديث عن “قطع الصلة بشكل كامل” يصبح محل نقاش مفتوح.
محطة رابعة: انسحابات بالجملة من شركات كبرى… ولكن بتزامن يثير الأسئلة
بالتوازي مع ذلك، تكشف الوثائق أن الوزير انسحب من مواقع تسيير داخل شركات كبرى أخرى، أهمها:
-
استقالته كمتصرف مستقل في مجلس إدارة أفريقيا غاز (مملوكة لعائلة رئيس الحكومة)، وقد سُجّل القرار بتاريخ 5 نونبر 2024 برقم 941805.
-
عدم تجديد ولايته داخل TGCC، رغم أن قرار الجمع العام يعود لـ7 يونيو 2024، ولم يتم إيداعه بالمحكمة إلا في 31 أكتوبر 2024.
التسلسل الزمني يُظهر نمطاً واضحاً: خروج معلن ومتتالٍ من مجالس الإدارة، بعد تعيينه وزيراً، ولكن مع بقاء روابط مالية داخل مجموعته العائلية.
هل يتعلق الأمر بتضارب مصالح مُقنّع؟ أم بمناورة قانونية لحماية النفوذ الاقتصادي؟
من خلال الوثائق، يتبين أن الوزير تخلى عن المسؤوليات التنفيذية المباشرة، لكنه:
-
أبقى وصلاً عائلياً قوياً مع الشركة محل الجدل.
-
عزز موقعه المالي عبر هبات الأسهم.
-
ترك إدارة شركة حساسة في يد شقيقه.
-
انتقل من النفوذ المباشر إلى النفوذ غير المباشر.
في الوقت نفسه، تستعد الحكومة لعرض “معطيات دقيقة” أمام البرلمان، بهدف طيّ الملف وتهدئة الجدل المتصاعد منذ أيام.
لكن الوثائق المتوفرة تزيد من تعقيد المشهد:
هل يكفي خروج شكلي من التسيير لرفع شبهة تضارب المصالح؟
أم أن شبكة العلاقات العائلية تعيد إنتاج نفس النفوذ الاقتصادي بطريقة مختلفة؟
البرلمان على المحك… والشفافية تحت الاختبار
تأتي هذه المستجدات في توقيت دقيق، قبل ساعات من جلسة ينتظر فيها أن تكشف الحكومة روايتها الكاملة حول تدبير الصفقات العمومية، خصوصاً في قطاع الصحة، حيث برز اسم Pharmaprom في صدارة النقاش.
المؤشرات الحالية تقول:
الأسئلة أكثر من الأجوبة، والوثائق الرسمية تُضيء زوايا لم تتناولها الحكومة بعد… بينما ينتظر الرأي العام أن يجيب المسؤولون غداً، ليس فقط عن المخالفات المحتملة، ولكن عن حدود الأخلاق السياسية في التعامل مع الشركات العائلية عندما يتعلق الأمر بتدبير المال العام.
التحقيق مستمر… وملف Pharmaprom يبدو أبعد ما يكون عن الإغلاق.






