صحة

تحقيق صحفي: أخنوش والتهراوي يضربان مبدأ الشفافية.. 3.3 مليار درهم تُفوت لـ “الشركات المحظوظة” بقرار استثنائي!

 السقوط المدوّي لـ “الدولة الاجتماعية” من بوابة الصفقات

على وقع طبول الإصلاحات الاجتماعية الكبرى، تسقط حكومة عزيز أخنوش في فخ الشبهات الأعمق والأخطر: إفراغ الشفافية من محتواها. فبقرار انفرادي مثير للجدل، منح رئيس الحكومة تفويضاً مطلقاً لوزيره في الصحة، محمد أمين التهراوي، لإبرام صفقات تأهيل 90 مستشفى بقيمة تتجاوز 3.3 مليارات درهم (330 مليار سنتيم) خارج مسطرة التنافس المفتوحة، معتمداً على آلية “الصفقات التفاوضية”.

هذا الترخيص الاستثنائي، الذي تم تمريره ببرودة دم قانونية، ليس مجرد “تسهيل إداري” كما تزعم الحكومة، بل هو تفكيك منهجي لقانون الصفقات العمومية. ففي زمن تكافح فيه البلاد لترسيخ النزاهة، يبدو أن وزراء “التجمعيين” وجدوا في شعار “الاستعجال” قناعاً مثالياً لتغطية العيوب القانونية، وتوزيع الثروة العامة على شبكة من الشركات “المختارة بعناية” وبعيدة عن الأضواء. إنه تحول كارثي يرسخ مبدأ: الفساد ليس دائماً خرقاً للقانون، بل أحياناً يكون استغلالاً “ذكياً” لنصوصه.

المحور الأول: القصف القانوني.. خرق “المادة 89” والتلاعب الزمني

الركن الأساسي الذي تذرعت به الحكومة هو “حالة الاستعجال القصوى” المنصوص عليها في المادة 89 من مرسوم الصفقات العمومية. لكن الغوص في التفاصيل يكشف أن هذا التبرير ليس سوى “دفاع فاشل” ينهار أمام أبسط تحليل قانوني ومنطقي:

1. اغتصاب مفهوم الاستعجال:

متى تكون حالة المستشفيات “استعجالاً قصوى”؟ ينص القانون بوضوح أن الاستعجال يجب أن يكون “ناتجاً عن ظروف غير متوقعة بالنسبة إلى صاحب المشروع وغير ناتجة عن عمل صادر عنه”.

  • التهراوي يُدين نفسه: إن تردي البنايات، تآكل التجهيزات، والحاجة لـ “الصباغة وتغيير الزليج”، هي أعطاب مزمنة ورثتها الوزارة نتيجة سنوات من الإهمال والتقصير في الصيانة الدورية والتدبير العادي. هذه ليست ظروفاً “غير متوقعة” (كالزلازل أو الفيضانات)، بل هي إفرازات مباشرة لـ “عمل صادر عن صاحب المشروع” نفسه، أي الوزارة التي فشلت في تدبير ميزانياتها لعقود.
  • الوزير يُلخّص الجريمة: اعتراف الوزير بأن المسطرة العادية تتطلب 45 يوماً وأن الهدف هو اختصار هذه المدة، هو اعتراف ضمني بأن الحكومة فشلت في التخطيط المسبق، وتلجأ الآن إلى “مسطرة الطوارئ” لتغطية سوء التخطيط، وهو ما يخرق روح ونص القانون الذي يمنع الاستعجال الناتج عن تقصير الإدارة.

2. “تخصيص” الصفقات.. الوجه الحقيقي للتفاوض:

المسار التفاوضي يسمح للإدارة بـ “اختيار المتعهد بعد مفاوضات مباشرة”. وفي غياب أي إعلان علني مسبق أو منافسة حقيقية، تتحول المليارات الثلاثة إلى أداة توزيعية تُستغل في:

الممارسة المشبوهة الوصف والنتائج المترتبة
إقصاء الكفاءات تهميش الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك شبكة علاقات، وإسناد المشاريع لـ “أباطرة” المقاولات المرتبطين بالسلطة.
تضخيم الفواتير غياب المنافسة يرفع الأسعار بشكل طبيعي، مما يسمح للشركات “المفاوَضة” بتقديم عروض مرتفعة بعيداً عن رقابة الأسعار السوقية الحقيقية، وهدر مئات الملايين من المال العام.
تعزيز الاحتكار كما حدث في صفقات الرقمنة (إلغاء صفقة 180 مليون درهم لشركتين والاحتفاظ بشركة واحدة)، يتم تجميع المشاريع الكبرى في يد لاعبين محددين، مما يقتل التنافسية ويخلق ريعاً مستداماً.

المحور الثاني: شبكة المصالح.. من النظافة إلى الأدوية (التهراوي تحت المجهر)

إن المشهد لا يتعلق فقط بترميم المستشفيات. فالترخيص الاستثنائي هو حلقة في سلسلة من الإجراءات المتزامنة التي تكشف عن منهجية متكاملة لـ “حماية المصالح”:

1. ريع النظافة والحراسة.. الخدمة البسيطة بملايين الدراهم:

يشير البرلمانيون إلى أن الوزارة قامت بـ “تركيز صفقات النظافة والحراسة” في المستشفيات العمومية، وهي عقود دورية بملايين الدراهم، في أيدي شركات “محدودة ومحظوظة”.

📝 شهادة خطيرة: هناك شركات أُحدثت مؤخراً ودخلت بقوة في قطاع الخدمات الصحية، بعضها يمتلكه أشخاص لديهم “تضارب مصالح” مع جهات حكومية، وقد تم تفضيلهم على مقاولات كانت تعمل لعقود، في عملية إحلال واضحة تهدف إلى “إعادة تنظيم خريطة المستفيدين” من الصفقات العمومية.

2. تسهيل استيراد الأدوية.. ضرب الصناعة الوطنية:

يُضاف إلى هذا القرار، قرار حكومي سابق مثير للجدل (في قانون مالية 2025) يقضي بـ إلغاء الرسوم الجمركية على بعض الأدوية، وهو ما يراه المراقبون “لصالح المستوردين المقربين”، ويأتي على حساب الصناعة الدوائية الوطنية التي توفر فرص الشغل. إنه ربط خيط المصالح بين صفقات البناء والخدمات (التهراوي) وبين سياسات التجارة والأدوية (الحكومة ككل).

 دعوة للمحاسبة.. هل يتجرأ الرقباء على أخنوش؟

لقد وضع رئيس الحكومة نفسه ووزيره في مرمى نيران المحاسبة السياسية والقانونية. لم يعد الإصلاح الصحي مجرد ملف تقني، بل اختبار لمدى قوة الدولة في محاربة النفوذ والريع الحكومي.

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في المبلغ المالي الضخم فقط، بل في “منهجية التخلص من القانون” عندما يصبح عائقاً أمام إبرام الصفقات الموجهة. هذا القرار يرسل رسالة سلبية مدمرة للفاعلين الاقتصاديين النزهاء، وللأحزاب السياسية المعارضة، والمواطنين الذين ما زالوا ينتظرون تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

على المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد، أن تتدخل فوراً وبكل حزم. فمن واجب هذه المؤسسات أن تسائل الحكومة عن “هذه المغالطات القاتلة” وأن تكشف عن أسماء الشركات التي ستستفيد من هذا التفويض السخي.

إن الـ 3.3 مليار درهم المخصصة لإصلاح مستشفيات الشعب، يجب ألا تتحول إلى “مصروف جيب” لـ “الشركات المحظوظة” بقرار من السلطة التنفيذية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى