تحقيق خاص : فضيحة الدعم الرياضي بمجلس عمالة فاس: “دورة الملايين المشبوهة”… شلال في قلب عاصفة تمرير صفقة الجمعيات وسط الغضب الشعبي؟

فاس – تحقيق خاص
بينما تئنّ جماعة أولاد الطيب تحت وطأة غياب النقل المدرسي، وتُجبر الأسر على استئجار الحافلات لنقل أبنائها بعد هدم مدرسة قروية، يتّجه مجلس عمالة فاس لعقد دورة استثنائية يُنتظر أن تُشعل “حرب الملفات والدعم”، بعد تسريب جدول أعمال كشف عن نية توزيع ملايين الدراهم على جمعيات رياضية، بعضها يُتهم بأنها واجهات تجارية و سياسية مقنّعة.
وفي وقت تتزايد فيه الدعوات لتوجيه الدعم العمومي نحو الأولويات الملحة كالتعليم والصحة والنقل القروي، يصرّ الرئيس شلال على تمرير حزمة من الاتفاقيات “المثيرة للجدل” مع جمعيات رياضية، في خطوة وصفها كثيرون بـ”اللامسؤولة”، تفتقر للعدالة وتفوح منها رائحة المحاباة السياسية،و المغرب مقبل على انتخابات تشريعية جديدة وهو ما يطرح تساؤلات حول تحويل المال العام لاستمالة الكتلة الناخبة من خلال جمعيات رياضية.
“فضيحة الدعم الرياضي”: دعم بالملايين… وأطفال بدون مدارس
أخطر ما أثار غضب الشارع الفاسي، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هو إدراج مشاريع دعم لجمعيات رياضية، بعضها لا يقدّم خدمات مجانية للمواطنين، بل يفرض على الأطفال الراغبين في الاستفادة من خدماته مبالغ سنوية تتجاوز 4000 درهم، ما يطرح سؤالاً مشروعًا: هل المال العام يُمنح لمن يبيع الرياضة بدل أن ينشرها؟
في المقابل، تعيش جماعة أولاد الطيب و جماعة عين البيضا و سيدي أحرازم أزمة خانقة في النقل المدرسي، و خاصة بأولاد الطيب بعد قرارهدم مدرسة كانت تأوي العشرات من التلاميذ. اليوم، تُضطر الجهات المعنية إلى كراء حافلات خاصة لإيصال الأطفال إلى مدينة فاس، في مشهد يعكس التناقض بين الأولويات المفترضة وسياسات التبذير الممنهج.
شلال في مرمى النيران: اتهامات بالمحاباة وتصفية الحسابات
مصادر متطابقة من داخل مجلس العمالة أكدت أن الرئيس شلال تعمّد إدراج أسماء محددة ضمن لوائح الدعم، وأقصى جمعيات ناشطة ومعروفة، فقط لأنها لا تدور في فلكه السياسي أو لا تُمجّد “برنامجه الشخصي”.
وما يزيد الطين بلة، أن القانون التنظيمي للجماعات الترابية لا يمنح الرئيس صلاحية ضخ أموال عمومية في حسابات جمعيات رياضية، ما لم تكن ذات منفعة عامة مجانية وتستجيب لمعايير الشفافية والعدالة المجالية.
فهل نحن أمام خرق قانوني صريح؟ وهل هناك من يجرؤ على مساءلة الرئيس في ظل هذا الانفلات المالي؟
الدورة الاستثنائية: ساحة صراع أم جلسة تصفية؟
جدول أعمال الدورة، المقرر عقدها الأربعاء المقبل، يتضمن 19 نقطة، بينها عدد من اتفاقيات الشراكة مع جمعيات تنشط في مجالات مختلفة. لكن البند الذي أثار الزوبعة هو المتعلق بالجمعيات الرياضية، والذي يشمل:
-
المغرب الفاسي لكرة القدم
-
الوداد الفاسي
-
الوفاء الرياضي و الذي يترأسه نجل معروف في تدخلات الكرة و هو ينتمي الى حزب من أغلبية مجلس العمالة.
-
جمعية المغرب الفاسي المتعددة الأنشطة فرع كرة السلة
-
فاس الرياضة لكرة السلة ؟؟؟
-
جمعية ريان لكرة القدم وهي جمعية تنشط في تدريب الأطفال و تتقاضى من عندهم أكثر من 3 ألاف درهم للشهر
-
جمعية فاس سايس الثقافية والاجتماعية
- و يتضح من خلال أسماء الجمعيات التي ستضخ لها الملايين كل سنة و ذلك على مدة ثلاث سنوات و انها جمعيات مربحة و لا توجه خدماتها الى المجانية او المساهمة في محاربة الهشاشة و الهدر المدرسي الذي يلاحق تلاميذ أحواز فاس في غياب و نقص النقل المدرسي و قرارات هدم مدارس أصبحت غير صالحة و تهدد صحة التلاميذ.
-
الوداد الفاسي… دعم “مُنمّق” في عباءة الحزبية
في قلب العاصفة، تتصدّر جمعية الوداد الرياضي الفاسي قائمة الجمعيات التي يُنتظر أن تستفيد من دعم مالي ضخم خلال الدورة المقبلة. ما يثير الانتباه – والريبة معًا – هو أن رئيس هذه الجمعية ليس سوى البرلماني العجلي، المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وهو الحزب نفسه الذي يقوده رئيس مجلس عمالة فاس، حسن شلال.
هذا التقاطع الحزبي يفضح منطق المحاباة، ويكشف كيف تُحوَّل ميزانية المجلس إلى صندوق دعم انتخابي غير مباشر، حيث تُمنح الملايين لمن هم في “العائلة السياسية”، بينما تُقصى جمعيات مدنية لا تدين بالولاء لأحد، رغم ما تُقدمه من عمل اجتماعي و رياضي نبيل ومجاني.إنها ليست مجرد صدفة… بل عينة فاضحة من تبادل المنافع وتغذية شبكة الزبونية السياسية بالمال العام.
السؤال الذي يُطرح بإلحاح: هل نحن أمام مجلس يُدير الشأن المحلي بروح المؤسسات، أم أمام ماكينة حزبية تُعيد تدوير المال العام داخل الدوائر الضيقة لخدمة المصالح والولاءات؟ الأمر لم يعد مجرد شبهة… بل أصبح نمطًا ممنهجًا.
وبحسب مصادر من داخل المجلس، فإن المبالغ المخصصة لبعض هذه الجمعيات و التي تقدر بالملايين، ما اعتُبر “توزيعًا عشوائيًا للثروة العمومية”، في وقت تعاني فيه المدينة من أعطاب بنيوية في التعليم والصحة والنقل و المرافق و الهشاشة الإجتماعية.
والي الجهة في وضع حرج: هل يتدخل الجامعي لوقف النزيف؟
الكرة الآن في ملعب والي جهة فاس مكناس،معاذ الجامعي، الذي يُنتظر منه تفعيل سلطته القانونية والإدارية لوقف ما بات يوصف بـ”نزيف المال العام”، عبر مراقبة شرعية ومشروعية هذه الاتفاقيات، ومساءلة مدى احترامها لمقتضيات الحكامة الجيدة،فلا مجال للطيبوبة و الليونة في التعامل مع الأحزاب و بعض الرؤساء و المنتخبون الذين يخلفون الفوضى واثارة الرأي العام من خلال قرارات لا تخدم المصلحة العامة.
فالوالي، باعتباره ممثل وزارة الداخلية، مطالب اليوم بوضع حد للعبث السياسي، والدفع نحو توجيه الدعم حيث تمس الحاجة الحقيقية: التعليم القروي، تجهيز المستشفيات، تطوير النقل العمومي، وإنقاذ الأطفال من براثن الهدر المدرسي.
من يحمي المال العام في فاس؟
الوضع في فاس لم يعد يحتمل مزيدًا من التسويف. فالمدينة تغلي: أسعار مرتفعة، خدمات شبه منعدمة، ومجتمع مدني يصرخ بأعلى الصوت: “أوقفوا العبث!”
الدعم الرياضي، في صيغته العادلة، مطلوب ومرحب به، ولكن حين يُصبح وسيلة لإعادة توزيع الثروة بشكل غير منصف، وتكريس المحسوبية، فإنه يتحول إلى أداة تدمير للثقة، ويُسهم في توسيع الهوة بين المؤسسات والمواطن.
معايير الانتقائية… دعم على مقاس الولاء
في ظل تصاعد الغضب الشعبي، يبرز سؤال جوهري: ما المعايير التي اعتمدها مجلس عمالة فاس لتوزيع الدعم على الجمعيات؟ الواقع يُظهر أن تلك المعايير يغلب عليها طابع الانتقائية السياسية أكثر من منطق الكفاءة والفعالية.
جمعيات جادة ومبدعة، لا تشتغل في خدمة أجندات حزبية، وجدت نفسها خارج الدعم فقط لأنها ترفض الاصطفاف السياسي. هذا الإقصاء غير المبرر قد يُهدد بانفجار الأغلبية داخل مجلس شلال نفسه، خاصة مع تزايد التذمر في صفوف بعض المنتخبين من تسيير أحادي يُسخّر المال العام لأهداف ضيقة.
مجلس العمالة يثير الزوبعة و يدخل قفص الإتهام
الدورة الاستثنائية المقبلة ستكون ستتحول ساحتها الى حرب مفتوحة بين مختلف الأعضاء من الأغلبية و المعارضة بمجلس عمالة فاس المهدد بالتفجير من الداخل. وهو ما يبدد أحلام الرئيس و إنتكاسته في تمرير “صفقة الدعم الملغوم”، وهل سيتصدى له المنتخبون الغاضبون بقوة؟ فهل يتدخل الوالي لحماية المال العام، أم يظل الوضع على حاله، متروكًا لحسابات الصراع السياسي؟
الدعم أصبح عنوانًا للظلم”… عندما يُكافأ الولاء وتُقصى الكفاءة
في مشهد صارخ، يتضح أن الدعم العمومي في مجلس عمالة فاس لم يعد وسيلة لتنمية المدينة وخدمة أبنائها، بل أصبح عنوانًا للظلم، وأداة لتصفية الحسابات وتكريس الولاءات. ما يجري حاليًا من برمجة للملايين لفائدة جمعيات بعينها – خصوصًا الرياضية منها – لا يخضع لأي منطق عادل أو معايير شفافة، بل يبدو كـ”كعكة” تُوزع بين الأتباع، في سياق حزبي ضيق.
بينما تُقصى جمعيات ميدانية لا تملك سوى حبها للمدينة، يُكافأ المقرّبون. وبينما يُطلب من المواطن شد الحزام، يفتح “صندوق المال العام” على مصراعيه لخدمة خريطة الولاءات الحزبية. في هذا الواقع المُلتبس، لم يعد الدعم مجرد إجراء مالي تخصصه الدولة للمصلحة العامة، بل صار رمزية للتمييز والإقصاء، وسيفًا يُشهر في وجه كل من لا يُصفق.






