تاونات تغلي.. عامل الإقليم يدشّن مصحة خاصة و” المستشفى العمومي يحتضر” في صمت

في مشهد مثير للجدل، قاد عامل إقليم تاونات، صالح دحا، موكبًا رسميًا أمس الأربعاء 25 يونيو 2025 لتدشين مصحة خاصة، وسط موجة استياء شعبي عارم، بسبب تدهور الوضع الصحي والخدمات الأساسية بالإقليم، في وقت تعيش فيه ساكنته أوضاعًا مأساوية مع المستشفى العمومي والمراكز الصحية القروية التي باتت مجرد بنايات بلا خدمات.
الخطوة، التي وُصفت بـ”غير المفهومة”، تأتي في ظل معاناة مزمنة يعيشها الإقليم في مجالات حيوية، تتعلق بالصحة، والتعليم، والبنية التحتية، والشغل، والماء الصالح للشرب. وهي كلها ملفات سبق لجلالة الملك محمد السادس أن أكد على ضرورة توفيرها بشكل عاجل وفعلي للمواطنين، ضمن مقاربة تنموية شاملة، لا تكتفي بالشعارات أو التدشينات العابرة، بل ترتكز على مشاريع واقعية تستجيب لحاجيات السكان اليومية و التي يتطلع من خلالها تقليص الفوارق المجالية و وجود حلول مستعجلة للمواطنين الذين يعيشون الهشاشة المجتمعية.
لكن واقع الحال بتاونات يُكذّب حقيقة الحال، ويكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الملكي والممارسة الترابية. فالمستشفى الإقليمي أصبح خارج الخدمة تقريبًا، في ظل غياب الكوادر الطبية والبيوطبية، وانعدام الأدوية والتجهيزات، ما يدفع إدارة الطوارئ إلى إحالة غالبية المرضى نحو المستشفى الجامعي بفاس، ويُطلب من المواطنين في أحيان كثيرة توفير تكاليف الوقود لسيارة الإسعاف.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه الساكنة تدخلًا عاجلًا لإصلاح ما يمكن إصلاحه في المنظومة الصحية، يُفاجأ الجميع بحفل رسمي لتدشين مرفق خاص لن يقدم حلًا جذريًا لمعاناة 600 ألف نسمة، بل سيظل خيارًا مكلّفًا خارج متناول أغلب الفئات الهشة.
انتقادات النشطاء المحليين لم تتوقف عند هذا الحد، فقد ذكّروا أيضا بمشاهد سابقة ظهر فيها عامل الإقليم وهو يدشّن “صنابير مياه” في بعض المناطق عندما كان عاملا بإحدى الاقاليم ، وهو ما تم ربطه بموضوع مياه الشرب بتاونات رغم أن أغلب الجماعات القروية تعيش أزمة عطش حقيقية كل صيف، في تناقض صارخ مع كون تاونات من أغنى أقاليم المملكة على مستوى الموارد المائية، حيث تحتضن خمسة سدود استراتيجية.
هذه الممارسات، التي وصفت بـ”الاستهتار بالمطالب الحقيقية”، تأتي في ظل غياب أي ترافع على هموم الساكنة لنواب الأمة ورؤساء الجماعات عن المشهد، و الذين قرروا الإستقرار بفاس و مدن أخرى بعيدا عن تاونات التي صعدوا الى المناصب و المكاسب على هموم أصوات الساكنة المغلوب على أمرها، فرغم تمثيل الإقليم بأكثر من 8 برلمانيين، لا يظهر أغلبهم إلا في التشدينات او الحفلات و المواسم و مع اقتراب الانتخابات، لتجديد الإستمالة الانتخابية المؤقتة، واستغلال ما تبقى من الخزان التصويتي.
الساكنة اليوم لم تعد تنتظر وعودًا انتخابية أو “صورًا رسمية”، بل مشاريع حقيقية تنعكس مباشرة على ظروف عيشها. تاونات، كما يؤكد أبناءها، لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى عدالة ترابية، ومخططات جهوية تضع حدًا للهشاشة والتهميش، في الصحة والتعليم والبنية التحتية والماء والشغل.
فالمطلب لم يعد “ترفًا تنمويا”، بل هو انسجامٌ مع التوجيهات الملكية، التي دعت مرارًا إلى تقريب الخدمات الأساسية من المواطن، وتحقيق التنمية المتوازنة، ومحاربة الفقر والتفاوتات المجالية.
تاونات اليوم تختصر معاناة مغرب الهامش، حيث تغيب التنمية وتحضر المناسبات، وتغيب الكرامة لتحل محلها الوعود… وهي مؤشرات كافية لتوجيه ناقوس الخطر، وطرح السؤال الحاسم: من يجرؤ على إعادة تاونات إلى سكة التنمية؟






