تاونات تحت مجهر المساءلة البرلمانية: مشاريع متعثرة، دعم رياضي مثير للجدل، ورهان الحكامة الترابية

لم يعد ما يجري في إقليم تاونات مجرد نقاش محلي عابر، بل تحوّل إلى ملف سياسي وإداري ثقيل وصل إلى قبة البرلمان، بعد توجيه سؤال مباشر إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت حول تعثر عدد من المشاريع التنموية، وضعف الالتقائية بين البرامج الحكومية بالإقليم.
الملف انفجر بصوت مرتفع، لأن الأمر لا يتعلق بتأخر بسيط في ورش هنا أو هناك، بل بسؤال عريض حول نجاعة التدبير الترابي، وحول الأسباب الحقيقية التي جعلت مشاريع مبرمجة منذ سنوات تراوح مكانها، بينما تنتظر الساكنة أثراً ملموساً على أرض الواقع.
السؤال البرلماني… كسر الصمت
السؤال البرلماني لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى معطيات متداولة بشأن وجود اختلالات في تنزيل مشاريع تنموية، وغياب انسجام بين تدخلات القطاعات الحكومية على المستوى المحلي. وقد طالب بفتح تحقيق إداري لتحديد المسؤوليات، وضمان احترام مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا التطور وضع إقليم تاونات تحت الأضواء الوطنية، وأحرج مختلف المتدخلين، لأن الرأي العام لم يعد يقبل بتبريرات عامة حول “الإكراهات” دون تحديد دقيق لطبيعتها ومصدرها.
جواب وزير الداخلية… اعتراف بالإكراهات ومسار تقييم
في رده، أقر وزير الداخلية بوجود إكراهات أثرت على وتيرة إنجاز بعض المشاريع، مؤكداً أن عدداً منها يخضع حالياً لعملية تقييم ومراجعة بتنسيق بين السلطات الإقليمية والمصالح الحكومية المعنية.
الجواب حمل اعترافاً ضمنياً بوجود خلل في مسار التنفيذ، لكنه فتح أيضاً باب التصحيح، عبر إعداد تقارير إدارية لتشخيص الأعطاب وإعادة برمجة المشاريع وفق مقاربة أكثر نجاعة.
غير أن الشارع المحلي يتساءل: هل ستُترجم هذه المراجعات إلى قرارات عملية؟ أم ستبقى مجرد مسطرة تقنية لا تغيّر من الواقع شيئاً؟
عامل الإقليم… في واجهة المسؤولية
في قلب هذا المشهد، يبرز اسم عامل إقليم تاونات عبد الكريم الغنام، باعتباره ممثل السلطة المركزية والمسؤول الأول عن التنسيق بين مختلف المصالح بالإقليم. فكل مشروع متعثر، وكل ورش متوقف، يضعه مباشرة أمام امتحان التدبير والقيادة.
المعطيات تشير إلى أن السلطات الإقليمية باشرت مسار تتبع وتقييم للمشاريع موضوع الجدل، في تنسيق مع المصالح الوزارية. لكن حجم التحديات المطروحة يفرض انتقالاً من منطق المعالجة الظرفية إلى مقاربة هجومية تقوم على:
-
افتحاص شامل لوضعية المشاريع المبرمجة.
-
تحديد المسؤوليات بدقة، إدارية كانت أو تقنية.
-
فرض آجال صارمة لإخراج الأوراش من حالة الجمود.
عامل الإقليم اليوم ليس أمام مهمة روتينية، بل أمام لحظة حاسمة تتطلب قرارات قوية تعيد الثقة في الإدارة الترابية.
الدعم الرياضي… نار تحت الرماد
وكأن ملف المشاريع لم يكن كافياً، فجّر تدبير الدعم العمومي الموجه للجمعيات الرياضية نقاشاً إضافياً. مطالب بفتح تحقيق إداري لتحديد معايير توزيع الإعانات، وضمان تكافؤ الفرص بين الأندية، وضعت هذا الملف بدوره تحت المجهر.
الرياضة في تاونات ليست نشاطاً ترفيهياً، بل صمام أمان اجتماعي لشباب يعيش في بيئة تعاني من محدودية فرص الشغل والبنيات التحتية. وأي غموض في توزيع الدعم يُقرأ كاختلال في العدالة والشفافية.
تاونات… إمكانات كبيرة تختنق بالبطء
الإقليم يتوفر على مؤهلات فلاحية وطبيعية وبشرية واعدة، لكنه يظل رهين بطء الإنجاز وضعف التنسيق. فالمشاريع المعلنة شيء، والتنمية الملموسة شيء آخر.
المطلوب اليوم ليس فقط تقييم ما تعثر، بل إعادة صياغة رؤية تنموية مندمجة تجعل من:
-
فك العزلة القروية أولوية قصوى.
-
دعم الاستثمار المحلي رافعة لخلق فرص الشغل.
-
تعزيز الحكامة والشفافية قاعدة ثابتة لا استثناء.
لحظة الحقيقة
تاونات تقف اليوم عند مفترق طرق. السؤال البرلماني فتح الباب، وجواب وزير الداخلية أقر بوجود أعطاب، والتقارير الإدارية في طور الإعداد. لكن التاريخ المحلي لا يُكتب بالأسئلة والأجوبة، بل بالقرارات والنتائج.
عامل الإقليم في قلب المشهد، والحكومة مطالبة بدعم فعلي لتجاوز التعثر، والمنتخبون مطالبون بالانتقال من منطق النقاش إلى منطق الحلول.
الساكنة لا تريد شعارات جديدة، بل تريد مشاريع تُنجز، ودعماً يُوزع بعدل، وإدارة تشتغل بسرعة وصرامة.
إنها لحظة اختبار حقيقي للحكامة الترابية في تاونات… فإما تصحيح جذري يعيد الثقة ويطلق دينامية جديدة، أو استمرار دائرة الانتظار التي لم تعد تحتمل مزيداً من الوقت.






