تاونات بين نبل التدخل الرسمي وابتذال “تجارة الكوارث”… حين تحضر الدولة ويغيب الضمير السياسي

لم تكن الفيضانات التي عرفها إقليم تاونات، خلال الأسابيع الأخيرة، حدثاً عابراً أو طارئاً محدود الأثر، بل شكّلت اختباراً حقيقياً لصلابة البنيات، وجاهزية التدبير الترابي، وقدرة الدولة على حماية مواطنيها في لحظات الخطر. غير أن ما رافق هذه الكارثة الطبيعية لم يقتصر على منسوب المياه وتهديد الأرواح والممتلكات، بل كشف أيضاً عن ظاهرة مقلقة تتكرر مع كل محنة: بروز ما يمكن تسميتهم دون مواربة بـ “تجار أزمات الكوارث الطبيعية”.
الدولة في الميدان… منذ اللحظة الأولى
منذ الساعات الأولى لارتفاع منسوب المياه وعزل عدد من الدواوير، دخلت عمالة إقليم تاونات في حالة استنفار قصوى، بتفعيل لجنة اليقظة المحلية تحت رئاسة عامل الإقليم عبد الكريم الغنامي، الذي ظل، وفق معطيات ميدانية، حاضراً بشكل متواصل في قلب الحدث، متنقلاً بين المناطق المتضررة، مشرفاً على التنسيق بين مختلف المصالح، ومنزلاً لتعليمات صارمة عنوانها: حماية الأرواح أولاً، ثم تأمين الممتلكات، فاستعادة السير العادي للحياة.
وقد شملت التدخلات، في بعدها الاستعجالي، إفراغ المنازل الآيلة للسقوط، خاصة تلك المبنية من الطين، والتي تشكل خطراً داهماً على قاطنيها، مع نقل الأسر المتضررة إلى مراكز إيواء مؤقتة، وتوفير التغذية، والأغطية، والاحتياجات الأساسية، في احترام صارم للكرامة الإنسانية.
في الميدان، لم تتوقف الجرافات وآليات الأشغال عن العمل، ليلاً ونهاراً، لفتح المسالك الطرقية المتضررة، وفك العزلة عن الدواوير، وإعادة ربط المناطق المنكوبة بشرايينها الحيوية. كما تم تسجيل تدخلات ميدانية متواصلة لمصالح الوقاية المدنية، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والسلطات المحلية، في صورة تعكس تنزيلاً فعلياً لتعليمات اللجنة الوطنية لليقظة، واشتغالاً منسجماً مع التوجيهات الملكية السامية التي تضع المواطن في صلب كل تدخل.
عودة الأوضاع إلى طبيعتها…
وبفضل هذه التعبئة، عادت الأوضاع العامة إلى شكلها العادي في عدد كبير من المناطق، رغم تسجيل بعض الأضرار المادية، خاصة على مستوى السكن الهش والبنيات القروية. وهي أضرار يتم حالياً حصرها وتقييمها بدقة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات الملائمة في إطار المقاربة المؤسساتية، بعيداً عن التهويل أو التوظيف.
حين يظهر “تجار الكوارث”
غير أن ما يثير الاستغراب والاستياء، هو ظهور بعض الوجوه الحزبية والجمعوية، التي لم تُعرف يوماً بعملها الميداني الجاد، لتقتحم فجأة مشهد تاونات، محمولة على خطاب “الدعم” و”الترافع”، بينما الهدف الحقيقي، كما بات واضحاً، هو الركوب على موجة الكارثة، ومحاولة إنعاش تجارة الأزمات، سياسياً وإعلامياً.
بلاغ ما يسمى بـ “لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات”، الصادر بتاريخ 5 فبراير 2026، ليس سوى نموذج صارخ لهذا السلوك. بلاغ مفعم بالشعارات العامة، وعبارات فضفاضة من قبيل “الدفاع عن الكرامة” و”الترافع المدني”، دون أي قيمة مضافة ميدانية حقيقية، ودون الاعتراف الصريح بالجهود الجبارة التي تبذلها السلطات، وكأن الدولة غائبة أو متقاعسة، في تجاهل فج للواقع.
الأخطر من ذلك، أن بعض هذه المبادرات تُربك التدخلات الرسمية، وتشوش على عمل لجان اليقظة، عبر نشر معطيات غير دقيقة، أو تضخيم الأوضاع، أو خلق انطباع زائف بأن الإقليم متروك لمصيره، وهو ما لا يخدم سوى أجندات ضيقة، لا علاقة لها بمصلحة الساكنة.
الكارثة ليست منصة انتخابية
إن الكوارث الطبيعية ليست مسرحاً للمزايدات السياسية، ولا منصة لتلميع الصور، ولا فرصة لتصفية الحسابات أو استعراض “النية الحسنة” أمام الكاميرات. الكارثة لحظة إنسانية دقيقة، تتطلب الهدوء، والانضباط، والاشتغال ضمن القنوات الرسمية، لا خلق هياكل موازية تبحث عن الشرعية وسط الألم.
وإذا كان العمل الجمعوي الحقيقي محل تقدير واحترام، فإن الفرق واضح بين جمعية تشتغل في الميدان، وأخرى لا تظهر إلا عند الأضواء. الأولى تُنسق مع السلطات، وتكمّل مجهودها، والثانية تُشوش، وتُربك، وتقتات على المعاناة.
عامل الإقليم… قيادة ميدانية لا بلاغات
في المقابل، يُسجَّل لعامل إقليم تاونات عبد الكريم الغنامي، قيادته المباشرة للجنة اليقظة، وتواجده الدائم في الميدان، ومواكبته الدقيقة لكل تطور، في نموذج للتدبير الترابي المسؤول، الذي يُفضّل الفعل على البلاغ، والعمل على الخطاب.
وقد تم، تحت إشرافه، تنزيل تعليمات اللجنة الوطنية لليقظة، بتنسيق محكم بين مختلف المتدخلين، وبمنهجية واضحة تقوم على الاستباق، والتدخل السريع، ثم المواكبة اللاحقة، بعيداً عن الارتجال أو الشعبوية.
رسالة واضحة إلى “تجار الأزمات”
الرسالة اليوم يجب أن تكون واضحة:
ابتعدوا عن الكوارث الطبيعية.
لا تستغلوها سياسياً.
لا تحولوا معاناة المواطنين إلى مادة دعائية.
ولا تزاحموا الدولة في لحظات تستوجب وحدة الصف لا تشتيته.
تاونات لا تحتاج إلى لجان موسمية، ولا إلى بلاغات إنشائية، ولا إلى أسماء “وازنة” تحضر من الخارج لتوقّع بيانات، ثم تغادر. تاونات تحتاج إلى دعم مؤسساتي منظم، وإلى عمل ميداني صادق، وإلى احترام ذكاء الساكنة.
ما وقع في إقليم تاونات كشف وجهين متناقضين:
وجه الدولة، الحاضرة بقوة، بسلطاتها، ولجانها، وآلياتها، وتوجيهاتها الملكية.
ووجه آخر، باهت، انتهازي،سياساوي يحاول الاتجار في الألم.
وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو صون كرامة المتضررين بالفعل لا بالشعارات، وحماية الكوارث الطبيعية من أن تتحول إلى كوارث أخلاقية وسياسية.






