سياسة

بنكيران يحمّل أخنوش مسؤولية احتجاجات “جيل زد”: السياسة الحكومية أفرزت رفضًا واسعًا وكادت أن تهز الاستقرار

في خطاب لافت أقيم خلال الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني لحزب حزب العدالة والتنمية، وجّه الأمين العام السابق للحزب ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران انتقادات قوية لسياسات الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش، معتبراً أنها كانت سببًا مباشرًا في الاحتقان الذي صاحَب احتجاجات ما عرف بـ “جيل زد”، وما كاد أن يهدد استقرار البلاد.

بنكيران، الذي عرف عنه أسلوبه التحليلي القوي والمباشر، وضع المسؤولية كاملة على السياسات التي انتهجتها الحكومة الحالية، معتبراً أنها أنتجت حالة واسعة من الرفض الاجتماعي، انعكست في موجات احتجاج عابرة لشرائح المجتمع، خاصة بين الشباب.

“أخنوش خلق إجماعًا ضده”

خلال كلمته، قال بنكيران إن رئيس الحكومة “نجح في خلق إجماع ضده”، عبر سياسات وصفها بأنها بعيدة عن نبض الشارع، وما أسماها بـ “آليات التأثير السياسي الحقيقية”. في هذا السياق، رأى أن الاحتجاجات الأخيرة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية وسياسية سببتها السياسات الحكومية.

وأشار إلى أن ذلك الاحتقان دفع فئات من الشباب، ضمن ما يُعرف بـ “جيل زد”، إلى النزول إلى الشارع والمطالبة بالتغيير، في مشهد كاد أن يقلب الأوضاع “رأسًا على عقب” لولا تدخل الملك في الوقت المناسب، وفق تعبيره.

الاستقرار بفعل حسن تقدير الملك

في قراءة واضحة للمشهد الوطني، اعتبر بنكيران أن استمرار الحكومة الحالية في منصبها خلال تلك الظرفية الحرجة “لم يكن مردّه قوتها السياسية”، بل كان نتيجة لـ “حسن تقدير جلالة الملك” في الحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة.

وأكد أن عدم إسقاط الحكومة في تلك اللحظة كان خيارًا استراتيجيًا حمى البلاد من الدخول في دوامة من عدم الاستقرار السياسي، ما يعكس، حسب قوله، حكمة القيادة الملكية في التعامل مع توترات ظرفية.

السياسة اليوم ليست فقط برامج وخطابات

لم يتوقف بنكيران عند نقد السياسات الحكومية فقط، بل تناول أيضًا قرار رئيس الحكومة الحالي، **عزيز أخنوش، بعدم الترشح لقيادة حزبه التجمع الوطني للأحرار وعدم خوضه الانتخابات التشريعية المقبلة. في هذا الإطار قال:

“النجاح الانتخابي لم يعد رهينًا بالبرامج والخطابات فقط… بل بات مرتبطًا أيضًا بآليات التأثير الحديثة من مال وإعلام وشبكات التواصل ووسائط تنظيمية.”

وجاء هذا التشخيص على خلفية ما اعتبره بنكيران “تراجعًا لقيمة البرامج السياسية التقليدية في التأثير على الناخب مقابل تصاعد قوة المال والإعلام في رسم نتائج الانتخابات”.

المقاصة: دفاع مستمر عن قرار تاريخي

عاد السياسي المعروف بقوة مواقفه إلى قرار تحرير صندوق المقاصة الذي اتخذته حكومته السابقة، مؤكدًا أنه كان قرارًا سياسيًا مستقلاً ومهمًا لوقف ما وصفه بـ “الاختلالات والاستنزاف المالي للمال العام”، وأنه ما يزال يعتز به.

وأضاف:

“لو كان القرار خطأ… لماذا لم يُلغِه أخنوش؟”

وطرح هذا التساؤل للتأكيد على أن القرار، رغم تبعاته الاجتماعية، كان قائمًا على منطق اقتصادي واجتماعي عميق، وأن تراجع الحكومة الحالية عن مواجهته بشكل مباشر يستوجب قراءة نقدية لأولوياتها.

لقجع والمقاصة: حصيلة مالية أم إنجاز اجتماعي؟

تطرق بنكيران أيضًا إلى تصريحات فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالمالية، حول ما أسفرت عنه إصلاحات المقاصة من موارد مالية معتبرة، تم توظيفها في قطاعات استراتيجية مثل الصحة والتعليم، والمشاريع الرياضية والتنموية الكبرى، كدليل على أن الإصلاحات لم تذهب سدى، بل كان لها مردود اقتصادي ملموس.

وجاء ذلك في سياق الدفاع عن السياسة الإصلاحية التي انتُقدت في حينه، واعتبر بنكيران أن هذه الإسهامات تدلل على نجاعتها، وأنها تشكل مادة نقاش إلزامية قبل الحكم عليها بشكل نهائي.

الحكومة الحالية… غياب الاستيعاب الشعبي

في نقده للمرحلة الحالية، اعتبر بنكيران أن تجربة الحكومة لم تنجح في استيعاب تطلعات فئات واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب والأسر المتوسطة، وأن ذلك ساهم في توتر العلاقة بين المواطن والمؤسسة التنفيذية.

وأشار إلى أن الاحتجاجات الشعبية رأى فيها تعبيرًا عن رغبة عميقة في التغيير، وليس مجرد “سخط عابر”، وهو ما يعكس بوضوح حالة التجاذب بين السياسات الحكومية والنبض الحقيقي للشارع المغربي.

 ماذا يعني خطاب بنكيران اليوم؟

خطاب بنكيران في المجلس الوطني للحزب لم يكن مجرد نقد سياسي عابر، بل تقرير موقف فكري واستراتيجي عن الحالة السياسية والاجتماعية التي يعيشها المغرب في فترة مفصلية قبل انتخابات 2026. ويمكن أن يُحلل في عدة نقاط:

  1. تحميل المسؤولية للرئاسة الحكومية الحالية عن الاحتقان الشعبي كرسالة سياسية مباشرة تضع أخنوش في موقع المحاسبة أمام الرأي العام.

  2. تأكيد على دور القيادة الملكية في حفظ الاستقرار، ما يضع المؤسسة الملكية في موقع الفاعل الاستراتيجي فوق الحسابات الحزبية.

  3. تحول في فهم الانتخابات من مجرد برامج سياسية إلى ساحة تنافسية تشمل المال والإعلام وشبكات التواصل.

  4. دفاع قوي عن قرار المقاصة كركيزة إصلاح اقتصادي، مع إحداث نقاش حول قيمته الحقيقية على المدى البعيد.

  5. ملاحظة التوتر بين السياسات الحكومية وتطلعات المجتمع، وهو مؤشر على تحديات أوسع في العلاقة بين الدولة والمواطن في المرحلة القادمة.

 خطاب بنكيران ورسائل ما قبل 2026

كلمة عبد الإله بنكيران في المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية جاءت في توقيت دقيق، لا يمكن فصله عن سياق التحضير لاستحقاقات 2026، حيث يبرز السؤال حول ما إذا كان المشهد السياسي المغربي مقبلًا على إعادة ترتيب أولوياته، أو مواجهة مزيد من الانقسام بين مؤسسات الدولة والشارع الاجتماعي؟

من خلال تحميله أخنوش مسؤولية احتجاجات “جيل زد”، والدفاع عن سياسات سابقة، ينتقل بنكيران من موقع السياسي الذي يرى الواقع بعيون الخبرة والمعايشة، إلى المحلل الذي يحذر من تداعيات، ويضع بوصلة الخطاب السياسي نحو مراجعات مؤلمة في الأداء الحكومي، والتفاعل الشعبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى