بنكيران يتمسك بالبقاء في المشهد.. حين تصبح المعارضة والاختلاف جزءاً من قوة الديمقراطية المغربية

عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى واجهة النقاش السياسي من جديد، رافضاً الدعوات المطالبة برحيله عن العمل السياسي، ومؤكداً أن خروجه في الظرفية الحالية قد يُفهم داخل حزبه باعتباره تخلياً عن المسؤولية والأمانة التي حمله إياها أعضاء الحزب.
وفي كلمة بثها الحزب عبر صفحته على موقع فيسبوك، رد بنكيران على دعوة الفاعل السياسي والمحلل عزيز الدروش إلى مغادرة المشهد السياسي، مستحضراً محطات من مساره السياسي، سواء خلال فترة قيادته للحكومة أو خلال مراحل المعارضة، ومؤكداً أن فكرة الانسحاب راودته أكثر من مرة، لكنه اختار الاستمرار، معتبراً أن العمل السياسي بالنسبة إليه مسؤولية لا تنتهي بمجرد اشتداد الصعوبات أو ارتفاع حدة الانتقادات.
ويعيد هذا الموقف اسم بنكيران إلى قلب النقاش السياسي المغربي، ليس فقط بسبب تصريحاته الأخيرة، وإنما أيضاً بالنظر إلى مسار سياسي طويل جعل منه واحداً من أبرز الوجوه التي طبعت الحياة الحزبية المغربية خلال السنوات الماضية، سواء اتفق معه خصومه أو اختلفوا معه.
بنكيران.. خروج من الحكومة لم يكن خروجاً من السياسة
لا يمكن قراءة موقف بنكيران الحالي بعيداً عن مساره السياسي، خصوصاً تجربة رئاسته للحكومة بين 2012 و2017، وهي مرحلة جاءت في سياق سياسي واجتماعي حساس أعقب حراك 20 فبراير، وشهدت تحولات كبيرة في المشهد الحزبي والمؤسساتي.
ويعتبر بنكيران أن حزب العدالة والتنمية أدى خلال تلك المرحلة دوراً في الحفاظ على استقرار البلاد، معتبراً أن الحراك كان يمكن أن يقود إلى نتائج أكثر خطورة لو لم تتم إدارة المرحلة ضمن المؤسسات.
ويقدم بنكيران هذه المرحلة باعتبارها واحدة من المحطات التي تؤكد، في نظره، أهمية وجود أحزاب سياسية قادرة على الاشتغال من داخل المؤسسات، بدل ترك المجال مفتوحاً أمام الاحتقان والتصعيد.
لكن تقييم تجربة الحكومة التي قادها لا يمكن أن يكون حكراً على رواية واحدة، إذ إن تلك المرحلة كانت موضوع نقاش سياسي وإعلامي واسع، وشهدت قرارات وإصلاحات أثارت مؤيدين ومعارضين على حد سواء، كما عرفت توترات داخل الأغلبية الحكومية نفسها، وانتهت بإعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة بعد تعثر المفاوضات السياسية.
ومع ذلك، فإن مغادرته رئاسة الحكومة لم تعنِ نهاية حضوره السياسي، بل ظل اسمه حاضراً في النقاش العمومي، وعاد لاحقاً إلى قيادة حزب العدالة والتنمية، ليواصل الاشتغال السياسي من موقع مختلف.
أحداث سبتة و20 فبراير.. محطات يستحضرها بنكيران
ومن أبرز المحطات التي استعادها بنكيران في حديثه الأخير أحداث سبتة، التي وصفها بأنها كانت من أصعب الوقائع التي عاشها المغرب، مشيراً إلى أنها وقعت في ظرف ومكان وصفهما بالحساسين، ومؤكداً أنه ظل يحمل أسئلة حول ملابساتها.
كما عاد إلى مرحلة 20 فبراير، معتبراً أن حزبه ساهم آنذاك في الحفاظ على استقرار البلاد والنظام السياسي، وهي قراءة تعكس الطريقة التي ينظر بها بنكيران إلى الدور الذي لعبه حزبه خلال تلك المرحلة.
غير أن التاريخ السياسي لأي مرحلة لا يمكن أن يكتب من زاوية حزب واحد، كما لا يمكن اختزال النقاش حول 20 فبراير أو غيرها من المحطات في رواية سياسية منفردة، لأن تلك الأحداث كانت نتاجاً لتفاعلات اجتماعية وسياسية متعددة، شاركت فيها قوى وشخصيات وحساسيات مختلفة.
الفساد والإصلاح.. بنكيران يدافع عن جدوى العمل من الداخل
وفي معرض حديثه عن تجربته الحكومية، أقر بنكيران بوجود مظاهر للفساد والتحكم والتلاعب، مستعملاً تعبير “الافتراس المالي”، لكنه رفض أن تكون هذه الاختلالات سبباً للانسحاب من العمل السياسي.
ويرى أن الإصلاح داخل المؤسسات ممكن، وإن كان صعباً، وأن الحاجة تبقى قائمة إلى سياسيين يدخلون المجال العام بهدف خدمة المواطنين والوطن وليس البحث عن المنافع الشخصية.
وهنا يطرح بنكيران واحدة من الأفكار الأساسية التي رافقت خطابه السياسي منذ سنوات: هل يكون الإصلاح عبر الانسحاب من المؤسسات بسبب صعوبة تغييرها، أم عبر البقاء داخلها ومحاولة تغييرها تدريجياً؟
بالنسبة إلى بنكيران، الإجابة واضحة: السياسة تحتاج إلى النفس الطويل، ولا يمكن انتظار ظروف مثالية للبدء في الإصلاح، لأن الشروط المثالية قد لا تأتي أبداً.
لا ديمقراطية من دون معارضة.. ولا أغلبية من دون مساءلة
ورغم الجدل الذي تثيره خرجات بنكيران وتصريحاته، فإن وجوده داخل المشهد السياسي المغربي لا يمكن النظر إليه فقط من زاوية المواقف التي يتخذها أو الانتقادات التي يوجهها.
فالديمقراطية لا تقوم على صوت واحد، ولا على أغلبية سياسية بلا معارضة، كما لا تقوم على معارضة تريد إلغاء الأغلبية.
السياسة بطبيعتها مجال للاختلاف؛ فيها الأغلبية والمعارضة، وفيها أصوات مهادنة وأخرى شديدة اللهجة، وفيها مواقف منسجمة وأخرى تبدو نشازاً بالنسبة إلى بعض المتابعين، لكن وجود هذه التعددية هو جزء من طبيعة الحياة السياسية.
وقد تكون بعض خرجات بنكيران، سواء من حيث التوقيت أو المكان أو طبيعة الخطاب، محل نقاش وانتقاد، وقد يرى البعض أن بعض مواقفه لا تكون دائماً في محلها أو أنها تستعيد لغة سياسية تنتمي إلى مراحل سابقة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أساسية: بنكيران يمثل تياراً سياسياً له تاريخ وحضور وقاعدة انتخابية، ولا يمكن محو هذا المسار بمجرد مطالبة صاحبه بالانسحاب.
الأحياء ليست دائماً منصة مناسبة للخطاب السياسي
ويُسجل على بنكيران، كما على غيره من السياسيين، أن بعض خرجاته الميدانية داخل الأحياء أو اللقاءات الشعبية قد تثير أسئلة حول ملاءمة المكان والرسالة السياسية والتوقيت.
فالسياسي، خصوصاً عندما يكون على رأس حزب له تاريخ حكومي ومعارضة برلمانية، مطالب بأن يوازن بين التواصل المباشر مع المواطنين وبين الحفاظ على مستوى من المسؤولية السياسية في الخطاب.
لكن انتقاد طريقة ممارسة السياسة لا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة بإلغاء صاحبها من المشهد.
فالاختلاف مع بنكيران لا يعني ضرورة إخراجه من الحياة السياسية، كما أن الاتفاق معه لا يعني منحه حصانة من النقد والمساءلة.
الأحزاب لا تمثل المغاربة جميعاً
ومن المهم في خضم هذا النقاش التذكير بأن الأحزاب السياسية، مهما كان حجمها أو حضورها الانتخابي، لا تمثل المغاربة جميعاً.
الحزب يمثل منخرطيه وقواعده ومن يصوتون له، ويدافع عن برنامج سياسي محدد، بينما المجتمع المغربي أوسع من مجموع الأحزاب والبرامج الانتخابية.
وهذا المعطى ضروري لفهم الصراعات السياسية؛ فهي، في نهاية المطاف، صراعات وتنافسات بين قوى سياسية تسعى إلى التأثير في القرار العمومي، لكنها لا تختزل المجتمع المغربي بأكمله.
فالمغرب يضم مواطنين مستقلين عن الأحزاب، وحساسيات مدنية ونقابية وثقافية واقتصادية، وشباباً لا ينتمون إلى أي تنظيم سياسي، وبالتالي فإن أي خطاب سياسي يدعي احتكار تمثيل المجتمع يظل بحاجة إلى مراجعة.
الملكية.. الإطار الضامن للاستقرار والتعددية
وفي النموذج السياسي المغربي، تظل الملكية في قلب البناء الدستوري والمؤسساتي، باعتبارها مؤسسة دستورية ضامنة لاستمرارية الدولة ووحدتها واستقرارها، ومرجعية جامعة تتجاوز التنافس الحزبي اليومي.
وهذا ما يسمح بأن يبقى التنافس بين الأحزاب داخل حدوده السياسية والمؤسساتية، فلا تتحول الخلافات الحزبية إلى خلافات حول الدولة نفسها.
فالأحزاب تتغير، والحكومات تتعاقب، والأغلبيات والمعارضات تتبدل، لكن الدولة ومؤسساتها تستمر.
وهذه إحدى أهم خصائص الحياة السياسية المغربية، حيث يجري التنافس على البرامج والسياسات وتدبير الشأن العام، بينما تظل الملكية مؤسسة محورية في النظام الدستوري المغربي.
المعارضة ليست عداءً للدولة
كما أن المعارضة السياسية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها خصومة مع الدولة أو رفضاً لمؤسساتها.
المعارضة في جوهرها وظيفة ديمقراطية تقوم على النقد والمراقبة وتقديم البدائل ومساءلة الأغلبية.
والأمر نفسه ينطبق على الأغلبية، التي لا ينبغي أن تنظر إلى المعارضة باعتبارها مجرد مصدر للإزعاج، وإنما باعتبارها جزءاً من التوازن المؤسساتي.
ومن هنا، فإن وجود أصوات قوية وأخرى هادئة، وأصوات مهادنة وأخرى صدامية، ليس بالضرورة عيباً في الحياة السياسية، ما دام الجميع يتحرك داخل الإطار القانوني والدستوري ويحترم المؤسسات.
بنكيران جزء من تاريخ سياسي لا يمكن حذفه
مهما كان الموقف من عبد الإله بنكيران، فإن الرجل أصبح جزءاً من التاريخ السياسي المغربي الحديث.
فقد قاد الحكومة، وترأس حزباً كبيراً، وخاض انتخابات ومفاوضات وتحالفات وصراعات سياسية، وترك بصمة واضحة في النقاش العمومي.
وقد تكون حصيلته محل تقييم مختلف؛ فأنصاره يرون أنه دافع عن الاستقلالية السياسية ومحاربة الفساد والحفاظ على المال العام، بينما يوجه إليه خصومه انتقادات تتعلق ببعض الإصلاحات والقرارات وخطابه السياسي.
لكن الديمقراطية لا تتطلب أن يتفق الجميع مع السياسي نفسه، بل تتطلب أن يكون لكل سياسي الحق في التعبير والمشاركة، وأن يكون في المقابل عرضة للنقد والمساءلة والاختبار الانتخابي.
السياسة تحتاج إلى أصوات مختلفة
إن المشهد السياسي المغربي سيكون أفقر إذا تحول إلى فضاء لا توجد فيه سوى الأصوات المتشابهة.
الحياة السياسية تحتاج إلى الهادئ والصاخب، إلى المهادن والمشاكس، إلى اليمين واليسار، إلى الأغلبية والمعارضة، وإلى الأصوات التي تتفق مع السائد وتلك التي ترفضه.
لكن الاختلاف يصبح منتجاً فقط عندما يتحول إلى أفكار وبرامج وبدائل، وليس إلى مجرد صراع شخصي أو تبادل للاتهامات.
ومن هذه الزاوية، فإن الدعوات إلى إنهاء المسار السياسي لبنكيران تستحق أن تناقش سياسياً، لا أن تتحول إلى محاولة لإلغاء الرجل من المشهد.
فإن كان حزبه يرى أن استمراره ضرورياً، وإن كان بنكيران نفسه يرى أن لديه مسؤولية سياسية تجاه من اختاروه، فإن الفيصل في نهاية المطاف يظل المؤسسات والحزب والانتخابات والقانون.
المغرب أكبر من صراعات الأحزاب
وفي المحصلة، فإن الجدل حول بنكيران يتجاوز شخصه، لأنه يعيد طرح سؤال طبيعة الحياة السياسية المغربية: هل نريد أحزاباً متنافسة أم أحزاباً متشابهة؟ هل نريد معارضة قوية أم معارضة صامتة؟ هل نريد تعدد الأصوات أم خطاباً واحداً؟
الجواب الطبيعي في أي تجربة ديمقراطية هو التعدد والاختلاف.
قد نختلف مع بنكيران، وقد ننتقد خرجاته، وقد نرى أن بعض تصريحاته تجاوزت حدود النقاش السياسي أو جاءت في غير محلها، لكن ذلك لا يعني أن وجوده السياسي أصبح غير مشروع أو غير ضروري.
فالرجل، بما له وما عليه، جزء من المشهد السياسي المغربي، واستمراره أو مغادرته ينبغي أن يكون قراراً سياسياً يخضع للشرعية التنظيمية والانتخابية، لا لرغبات الخصوم أو حملات الإقصاء.
وفي النهاية، يبقى المغرب أكبر من كل الأحزاب وأكبر من كل الزعماء السياسيين، لأن الدولة تستمر بينما تتغير الحكومات والقيادات والأغلبيات والمعارضات.
وتظل قوة التجربة المغربية في قدرتها على استيعاب الاختلاف، وعلى إبقاء الصراع السياسي داخل المؤسسات، وعلى ضمان تعدد الأصوات في إطار الملكية الدستورية التي تشكل إحدى ركائز الاستقرار والاستمرارية.
أما بنكيران، سواء ظل في الواجهة أو اختار مستقبلاً الابتعاد، فقد أصبح بالفعل جزءاً من ذاكرة السياسة المغربية الحديثة. ومثل أي سياسي آخر، سيبقى مساره مفتوحاً للتقييم والنقد، لكن لا يمكن كتابة التاريخ السياسي بحذف الأصوات التي نختلف معها، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تقاس فقط بقدرتنا على الاستماع إلى من نتفق معهم، وإنما أيضاً بقدرتنا على قبول وجود من يخالفوننا.






