بعد فيضانات وتشققات… انهيارات الطرق بتاونات تكشف هشاشة البنية التحتية وغياب المجلس الجماعي في وقتٍ تتطلب فيه الأزمة تدخّلاً عاجلاً

مع توالي أيام شهر رمضان، لا تزال العديد من الطرق والطرق الفرعية بإقليم تاونات تعيش وضعاً متهالكاً بعد التساقطات المطرية الغزيرة والسيول التي اجتاحت الإقليم في الأسابيع الماضية، تارِكة وراءها أضراراً كبيرة في البنية التحتية وتهديدات حقيقية لسلامة المواطنين، في ظل غياب دور فعّال للمجلس الجماعي في إدارة هذا الملف الحيوي، وفق متابعين وشهادات ميدانية من الساكنة.
التساقطات المطرية الأخيرة التي ضربت الشمال وخصوصاً تاونات كانت قوية ومفاجِئة، مخلِّفة خسائر بشرية ومادية، وعزلت دواوير ومراكز سكنية بالكامل، ما أثار مطالب بإدراج الإقليم ضمن المناطق المصنّفة مناطق منكوبة للاستفادة من إجراءات الدعم والتعويض.
منذ الأسابيع الأولى بعد التساقطات، بدأ عدد من الطرق يُظهر علامات انهيار خطيرة، خصوصاً في النقاط المتضررة من السيول. إحدى هذه المناطق الحسّاسة هي الطريق المحادية للمستشفى الإقليمي في اتجاه تجزئة الوحدة، حيث ظهرت خسوفات واسعة في جسم الطريق و كأنها فوق وادي يجري بالمياه تشكّل تهديداً مباشراً لمستخدمي الطريق من المرضى، المرتفقين، وحتى التلاميذ والتلميذات الذين يدرسون في مدرسة ابتدائية غصن الزيتون المجاورة، والتي تعتمد حركة تنقل يومية عبر هذا المقطع.
ما يزيد الطين بلة هو استمرار وجود حفر سميكة ممتلئة بالمياه منذ أيام قبل شهر رمضان، دون تدخلات إصلاح أو تعبيد، ما يعرّض حياة المواطنين للخطر ويضع علامات استفهام كبيرة حول أولويات المجلس الجماعي وفاعلية تدخلاته في مثل هذه الأزمات.
الساكنة تؤكّد أن هذه الحفر ليست نقاط طارئة صغيرة يمكن تجاوزها بشكل مؤقت، بل هي شقوق عميقة في الطريق المروري الرئيسي للإقليم، وتشكّل تهديداً حقيقياً للأمن الطرقّي، خصوصاً في الظلام أو مع مرور شاحنات النقل والركاب.
الأمر لا يقتصر فقط على الطريق المحاذي للمستشفى الإقليمي، بل تتوزع أضرار البنية التحتية على عدد من المحاور التي تربط جماعات ودوائر قروية بالمدينة، ما يعيق وصول المرضى إلى المرافق الصحية، ويعزل قرى بأكملها، ويعرقل حركة النقل المدرسي والتزود بالمواد الغذائية الأساسية.
بعض الدواوير عرفت أضراراً في الطرق المسقية التي تربطها بالمراكز الحضرية، مما اضطر بعض السكان إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى خدمات بسيطة مثل الصيدلية أو المكتب البريدي، وهي معاناة لم تُحلّ بعد بروتوكولية اجتماعات السلطات المحلية، على حد تعبير المواطنين.
وحتى في النقاط التي نفّذت فيها تدخلات على نطاق محدود، فإنها لم ترقَ إلى مستوى توقعات الساكنة، بل اعتُبرت “ترقيعاً جزئياً” غير كافٍ لإعادة الطريق إلى حالة صالحة وآمنة للمرور.
السؤال الذي يختلط به الاستياء لدى الكثيرين هو: أين كان المجلس الجماعي خلال تساقط الأمطار، وأين هو اليوم بعد انكشاف الحقيقة المرّة للبنية الطرقية؟
العديد من المتضررين يؤكّدون أن المجلس بقي في حالة غياب شبه كلي، ولم يصدر عنه أي برنامج تدخلي شامل لإصلاح الطرق، ولم يبدأ خطة طارئة منذ اليوم الأول لتساقط الأمطار، باستثناء تصريحات إعلامية عامة أو وعود بعقد اجتماعات لاحقة.
تؤكد المصادر أن ضعف التنسيق بين الجماعة وبين الهيئات المكلفة بالبنى التحتية قد ساهم في تأخر التدخلات الميدانية، ما ترك الساكنة في مواجهة مباشرة مع المخاطر، خصوصاً وأن بعض الحفر تضاعفت مع مرور المركبات الثقيلة، وهو ما يؤكّد غياب رؤية استباقية في تسيير هذا الملف الحيوي.
المواطنون يرون أن استمرار غياب المجلس الجماعي عن قيادة هذه الأزمة يضعف ثقة الناس في المؤسسات المنتخبة، ويطرح إشكالاً كبيراً حول أولويات من يُفترض أن يكون في طليعة الاستجابة لحاجات الساكنة اليومية، وخصوصاً في أوقات الأزمات.
في ظل هذا الوضع المتدهور، ارتفعت الأصوات الميدانية والمدنية التي تطالب الجهات المعنية بضرورة التدخل الفوري والمستعجل لإصلاح الطرق المتضررة، خصوصاً الطريق المحادي لمؤسسات حيوية مثل المستشفى الإقليمي وابتدائية غصن الزيتون، لأن استمرار هذا الوضع يعني تعريض حياة المواطنين، وخاصة الفئات الضعيفة، للخطر.
النداءات المدنية تتضمن أيضاً دعوات لتعبئة موارد إضافية لضمان إعادة حركة السير بشكل طبيعي، وإدراج الإقليم ضمن الآليات الخاصة بالمناطق المتضررة لتعويض السكان المتضررين من خسائر البنية التحتية، ومعالجة تأثير الفيضانات على شبكة الطرق.
بينما تُظهر حصيلة تدخلات السلطة الإجمالية في الإقليم أكثر من 1540 تدخلاً لمواجهة تداعيات التساقطات وتخفيف الأضرار على البنية التحتية، فإن هذه الجهود لا تزال غير كافية للحفاظ على سلامة الطريق وتوفير الظروف الملائمة لحركة المرور اليومية، بحسب تفاعلات الساكنة.
الحفرة التي تتوسط الطريق المحاذي للمستشفى الإقليمي والتي تُعرّض حياة المواطنين للخطر، هي مجرد نموذج من عشرات النقاط المهدّدة داخل الإقليم… وهي مؤشر على أن هشاشة البنى التحتية ليست طارئة فقط، بل نتاج تراكم سنوات من عدم الاستثمار الكافي في صيانة الطرق والمجاري المائية.
إن الأضرار التي خلفتها الأمطار والسيول في تاونات ليست مجرد انعكاس لحالات جوية قوية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة للأزمات، وإدارة البنى التحتية الحيوية التي يتوقف عليها حياة الناس بشكل يومي.
المجالس الجماعية، الذي يُفترض أن تكون على خط الصدارة في مواجهة هذه الأزمات، بقيت خارج الصورة أو بالكاد مؤثّراً بشكل محدود، ما يجعل المسؤولية تقع أيضاً على مستوى السلطات المركزية والإقليمية لضمان تدخل سريع يوقف النزيف قبل فوات الأوان.
الساكنة تنتظر اليوم أكثر من مجرد بيانات أو إجتماعات لذر الرماد في العيون… تنتظر أفعالاً ملموسة تعيد آمنة الطرق، وتستعيد الثقة في المؤسسات الجماعية، وتُظهِر أن الإدارة الفعّالة ليست مجرّد شعار تُردّد، بل واقع تُعاش.
تاونات اليوم لا تحتاج إلى وعود، بل إلى إصلاحات جذرية للبنية التحتية… قبل أن تتحول الحفر والمخاطر إلى فواجع لا تُحصى.






